ان الدارس لشعر عريان السيد
خلف لابد أن يمتلك حرفية متقدمة حتى يستطيع ان ينتقل معه ومع قصائده بمنهجية تعيد
صياغة الموقف الشعري ومعرفة التأثيرات الايجابية التي وقع تحت ارهاصاتها الشاعر
اولاً ثم النص ثانياً وذلك لأن القصيدة عنده هي:
* نتاج الموقف الانساني الذي يعيشه هو ذاته ضمن أسرته وعشيرته ووطنه وعالمه.
* رد فعل عميق على واقع رفضه ويرفضه الشاعر باستمرار وان كان هذا الرفض يأخذ في
بعض الاحيان شكل الصمت الذي هو ابلغ من الكلام.
* موقف رصين يعبر عما يطمح اليه الشاعر في وظيفة الشعر المبدئي دفاعاً عن الناس
الذين يحبهم الشاعر باخلاص وشفافية لمداواة جراحهم بالشعر في نهاية المطاف.
* القصيدة عند عريان اداة حيوية لرفع مستوى الوعي الشعبي وانهاض المجموع لممارسة
الحرية بشيء من النبل والقداسة.
* ان صورة البطل المجسد لم تتبلور بشكل واسع وتحتاج الى تعميق التجربة لمفهوم
البطولة كما هو الحال عند مظفر النواب في (الريل وحمد) او (الحسين وفارس جنوباوي)
لشاكر السماوي و(صاحب الزمان) لعلي الشباني و(حلب بن الغريبة) لطارق ياسين
و(المناجل) لكاظم الركابي وعطاءات ناظم السماوي والبعد الملتمع في كتابات عزيز
السماوي واسهامات كاظم غيلان وغيرهم من المبدعين والكتابات النقدية للاديب عادل
العرداوي.
* وحتى يتلافى عريان السيد خلف ذلك الاحساس بالاحباط اخذ النص عنده يغلب العام
على الخاص في الهم المشترك فكان النص وكرد فعل نفسي يقرأ الاخرين اولا ثم يقرؤه
الاخرون ثانيا، أي ان النص هو الذي يخلق مقاربة للتفرد وفق معيار قيمي قد يؤكد
آصرة الانتماء للكل.
وارد احط جدام عيني
الناس
والعشرة وفشلها
* القصيدة عنده مفردة سهلة وممتنعة في وقت وتبدو شبه محرمة على الاقتناص من قبل
الآخرين.
وهذا التفرد عنده يعكس سعة وعمق الاطلاع على نظام حركة المفردة في بناء النص
الشعري ويدل على موهبة متميزة بأبداع (خاص) يقول عنه اسكندر روشكا بانه (قدرة
خاصة لا متناهية على الابداع في وسط بيئوي معروف) وميراث كبير مع تشبع اصيل
لأبعاد البيئة التي يعيش فيها الشاعر والتي يفتش عنها الشاعر والاخرون معه لكنه
تفرد عنهم بان الملاحظة عنده عميقة ورصينة قل ان يمتلكها غيره وذلك لان مفرداته
معروفة عند الاخرين ولكنه يختلف عنهم بانه وظفها بحرفية عالية يغمر مكامن اللغة
المتداولة باداة تبدو قريبة الى العجائبية.
يل على اجتافك
يحط
الليل. ويرد يتفرهد (من قصيدة "سوم")
او وكتلي
وجه الناس دفتر
نقره بهمومه الجرح (من قصيدة "روح بلا طبع")
ما ذكر سابقاً يتصل بعملية النص الشعري عند عريان وهذا مرور سريع يحتاج الى
منهجية موسعة بدراسة مخصصة لهذا الجانب الاصيل في كيفية تكوين النص الشعري، واما
من حيث هيكلية المجموعة فنرى انها تضم واحداً وثمانين قصيدة منها عشرون قصيدة
مؤرخة ما بين العام (1964) مثل قصائد (لا تتمته) و(مجتول سمك) 1972 و 1977 وتعتبر
سنة 1967 اغزر سنوات الابداع عند الشاعر ابتداء من قصيدته الشهيرة (ردي ردي)
وقصيدة (سحابة) وهنا لابد من القول ان النتاج الابداعي عنده ينقسم على قسمين
بارزين هما:
1- شعر المرحلة الرومانسية الشفافة بالاداء البسيط غير المعقد والغنائية العالية
والغنائية هنا لا تعني ان قصيدة هذه المرحلة مكتوبة لان تلحن وتغنى وان اخذت بعض
قصائد هذه المرحلة طريقها الى الغناء ولاقت نصيبها الكبير من النجاح.
2- شعر المرحلة الواقعية وهي تمثل اخطر المرحلتين وفيها يكون النص الشعري مقارباً
للتفرد والريادة بين اسماء مرحلة التأسيس الابداعي لظهور القصيدة الحديثة على يد
مظفر النواب ثم بعد ذلك على يد آخرين وهذه المرحلة يقترب النص فيها من ثنايا
الواقع/ الحلم حيث شاعرنا يمتلك اداته الشعرية للاسهام في خلق البديل الذي يحلم
به واقعاً معاشاً يتخطى حلمه الذي يريده مستشرفاً آفاق المستقبل وهو هنا يعد من
ابرز الاسماء الشعرية التي حررت القصيدة الشعبية الحديثة من قدسية الشكل
الكلاسيكي ورتابة الطرح الشعري في المواضيع المغرقة في المحلية والتي اقتربت على
يده من حافة العالمية على مستوى المفردة والموضوع يأطر كل ذلك موهبة اصيلة وابداع
اصيل نحتاج معه الى زمن طويل جداً لان يولد شاعراً على مستوى ابداعه الخاص
والعام.
ان ابرز قصائد هذه المرحلة (كبل ليلة) التي تأخذ كل اسباب التكامل الابداعي تتدرج
خطى القصيدة بتناغم الابداع العام مع الابداع الخاص بشكل موفق جداً وكذلك قصيدة
(هلي) التي هي عبارة عن رسالة توشح الهم العراقي برسالة يريد الشاعر ايصالها الى
احبابه الذين هم الفقراء اولاً الذين يحبهم الشاعر والذين يقول عنهم:
هلي
وبتنه اگلوبنه اولاية
وسوالفنه ظفيرة
ويتصاعد البناء الداخلي لقصيدة "الملحمة" ليكون بعد ذلك احساس مرهف بالحب العام
للاخر من لدن شاعر اوقف عمره على:
وذاك من ذاك
الكه النجمة العزيزة بلا سمة
ودك الهه عينه
والحلم يلامس الواقع دون ان ينخلع عن واقعه المرير ليقول الشاعر بعدها
هلي
وسيرتو عليه ابوحشتي
احچايه بريد
وبيت نايل
والموروث الشعبي منذ الازل تناول القمر البعيد والمضيء والمتحول في ابراجه كتحول
الحياة نفسها وكان هذا التناول يقترب كثيراً من المحسوس المادي معه حيث الانضواء
تحت مفهوم:
1- الگمر ديرة العاشق
2- الگمر بعيد المنال قريب في الذاكرة والحلم
3- الگمر مكصد طبع..
وهو عند عريان السيد خلف بمثابة المنقذ والبطل والحلم والواقع والتنقل مع قصائد
المجموعة يقدم نصاً هو حلم الشاعر ليقول بعد ذلك انه:
الطيف
الحده
ابطرواك
ولنجمة النست بالك
والحلم باصرار ليأخذ مساحة اكبر لصنع الفرح حيث يقول الشاعر:
ادور مالكيت الفرح حتى افرح
او يقول
ناورني الدمع
باول مدب، عالگاع
فالحزن عند الشاعر يمارس وجوده العفوي منذ الازل موشحاً بواقع مرير اذن فالقصيدة
هي موقف سياسي حزين عميق الجذور فرح متعثر الخطوات بناء هرموني متصاعد للفعل
الشعري الذي يتخطى حدود الواقع ليرى المستقبل الذي يستشرفه الشاعر مستقبلاً
شفافاً يعبر عليه الآخرون نحو ضفة الامان والفرح والحب والعطاء والحيرة.
يا صفحة غزل
يا حيرتي من اقراك
والكه اخر سطر من عشرتك محذوف (من قصيدة تين العجم)
والحلم احساس يمتلك مواصفات التحقق عندما يكون الانسان في كل زمان ومكان حراً في
التعبير عن رغباته المشروعة وقادراً على التغيير السلبي من الواقع نحو الايجابي.
واخيراً لابد من تأكيد النقاط التالية:
* الشعر عند عريان السيد خلف ريادي ويمتلك مقاربة التفرد الخلاقة حيث هو يعرف
وظيفة القصيدة في تسجيل الموقف الانساني.
* الشعر عنده تأصيل لموهبة وابداع متفرد على مستويات المفردة والصورة الشعرية
وتناول الموضوع والبناء الداخلي للقصيدة والافادة العميقة من معطيات التراث
العراقي والانساني والبيئة في اشعاعاتها واشراقاتها مع الاطلاع الواسع على عطاءات
الشعراء الاخرين خصوصاً الاصوات الشعرية المؤثرة في مسيرة القصيدة الشعبية
العراقية الحديثة:
هلي
وبيتنا
اگلوبنا اولايه
وسوالفنا ظفيره
وشوگنه الدهله
ومحبتنه وخبزنا
أظنونا
* الشاعر يرفض المصطلح الذهني الراكد في الذاكرة ولكنه لابد من القول بان اللغة
عموماً مصطلح مستقر في الذاكرة وفي اللاوعي الجمعي باعتبارها اداة التواصل مع
الاخرين عبر حوارية واضحة الابعاد والمعاني وللمصطلح سلطته الادائية عبر نوافذ
التواصل.
وعلى العموم المجموعة تحتاج الى دراسة موسعة جداً لا تعرف العجالة طريقاً لها
وحسبنا اننا من المحظوظين لاننا عشنا اروع فترة تمر بها القصيدة الشعبية العراقية
على يد شعراء افذاذ يشكل الشاعر عريان السيد خلف علماً من أعلامها الكبار وهنا
لابد للجيل الحالي الذي ولج عالم القصيدة الشعبية من الاقتداء بهم من اجل تعميق
التجربة الشعرية وتوسيع الاطلاع على منابع التراث الثر شعراً ونثراً وادباً
عاماً.