هو ذاك.. قبل ان يكون غيره! فنان مبدع ريادي هادف ومثقف، إمتشق ريشته الفنية كمحارب شجاع ومناضل أصيل يذب ويدافع عن مظلومي بلاده.. فيقتحم الظالمين في عقر مكاتبهم البيروقراطية والسلطوية القمعية، يطاردهم، ويكشف للناس فضائحهم الادارية في ارتزاقهم ووظائفهم الرسمية العليا، وفسادهم الاداري وشذوذهم الإخلاقي، دون خوف ولا وجل أو تردد. وعندما يوزع (اسلحته) السلمية، المخبوءة في طيات الجرائد والمجلات، بصفاتها الداخلية بارزة (طبق الاصل!) - وهي اللازمة الفنية- وتحتها توقيعه التعبوي، كشرك، اصطاد فريسته، موضوع اللوحة! ولا أسمية ((تخطيط..)) كما اعتاد الغير تسميته التقليدية، التي يطلق عليها (فن الكاريكاتير..)
والراحل الفنان المثقف، مؤيد نعمة، عندنا في العراق، هو ناجي العلي، الفلسطيني في لبنان، وحيرة (حنظلته) الذي يئس من تصحر قضيته –العربية-!
ومؤيد نعمة، ايضاً، صلاح جاهين مصر.. فهؤلاء الثلاثي في ريادة فن الكاريكاتير، تكاد لا تدانيهم تقليدية أحد ما، في مجالهم الفني، الا نادراً من امثال (كحيل..) في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، ونشريات الصحافة العربية، والجادة منها.
فأكثر ما تثير وخزاتهم الفزع من قفشاتهم التهكمية على الواقع العربي المتردي دائماً في حضيض الانظمة السياسية الحاكمة، في مكامن اللقالق المحلقة التي تخاف (النسور والصقور) فتبني اعشاشها فوق القبب والمنائر العالية... لكنها لا بد أن تخوض الخدران والمستنقعات وتنحشر في الازوار الكثيفة، والاهوار المتسعة على الافق الهش المسطح..!
ولقالق الانظمة العربية، يتخاتلون في الدهاليز السياسية الانيقة، كدهاة الثعالب الواعظة ووراء كواليسها يقترفون جرائم الفضائح المخزية (...!)
يكاد يكون فن الكاريكاتير عند القلة القليلة جداً، انتباهة تجسيد لذكاء الفنان (الكاريكاريست) أكثر من صوت (المنلوجست) صرخة، في لوحته الموضوعية على الورق، وربما يتطابق تعبيره مع تعبير فنان (ممثل) البنتومايم في المسرح الاوبرالي.. فكلاهما يلمح لفكرة أو افكار واقعية.. لكنها تبدو غائبة، او مطمورة بجوار حقائق اخرى، أكثر حدة ولغة وبياناً (خطاباً) مؤثراً، من غيرها!
إما غالبية (فناني) الكاريكاتير، وما اكثرهم في الانشطة الصحافية والاعلامية، ليسوا الا مهرجو سيركات يتطفلون على الجمهور، يثيرون السخرية والهزْء، في العابهم البهلوانية، والشفقة والعطف على (مدجناتهم) من الاسود والنمور المخيفة، والافيال والخيول الراقصة، والقرود الانيسة. وقد يكون الانشداد لبهلوانياتهم، يثير فيه الغريزة الايروسية التي تفتش عن مفاتن ورشاقة الاجساد في وثباتها، وتسلقها السلالم العالية، وتأرجحها على الحبال امام جمهور الحفل الاستعراضي، طيلة ساعات من الذهول المفتعل!
في السيرك، لا يحتسب للجمهور الحاضر اشتراط الذكاء لدى المهرج (البهلوان..) الذي يحول المنديل الى ارنب يقفز من القبعة..! بينما يخرج الجمهور في جمعة من خيمة السيرك، منشرح الاسارير، يربت بعضهم على ظهر المهرج اعجاباً بالحيلة، ولعبه الاكروباتيكية، في تشابك السيقان والاذرع! فان الجمهور القارئ، والنخب المثقفة منه، الذين يتلقفون الصحف اليومية، قد يجدون ذاتهم وخصوصياتهم العامة في فن الكاريكاتير أمامهم على صفحات الجرائد والمجلات، واقترابهم من حقائق الواقع المضطرب.
"مؤيد نعمة" من الطراز الصعب المقتنع (الواثق)، وليس من اجناس (السهل الممتنع) او المتحذلق في موضوعاته الفنية، يسعى الى ارتقاء الافكار البسيطة التي تحتمل تساؤلات الناس الاعتياديين باجابات موجزة، لا تقبل الدجل او التسويف الذي يمتهنه البيروقراطيون في وظائفهم ومسؤولياتهم عبر سلوكهم (الاخلاقي) مع الجمهور المطلبي.. وعندما تتعلق بتلبية شؤون الناس التي تعرقلها الكوادر التنفيذية العليا منها في الدولة والمجتمع! ومن هذه الرؤيا نحدس موضوعية مؤيد نعمة في ابداعه الملتزم، في مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل. وتشخيصه الموضوعي، يدخل الاذهان المتقدة بالسرعة الخاطفة، كالومض، ويختزل الاسباب المفتعلة ويوضح الشائج لتطور الحالات التي تعنيها اللوحة، ومن تعقيد (اكرمة) الدراسات والمقالات والاعمدة الصحافية، والندوات الاعلامية، التي تدعي امتلاك معالجاتها (السليمة) وفي اكثر ما تسهب به الصحف والجرائد اليومية والمجلات المحلية المقروءة.
لا ننسى ابتسامة روح النكتة اللماحة الهادفة عند مؤيد نعمة في اهتمامه الملتزم. فالنكتة عنده، ليست موسمية او طارئة الحدث، او شعاراتية، تستهويها المسامع السياسية (الشعبوية)، فتتعالى قهقهاتها في المقاهي والمنتديات الثقافية، او الجدل الفارغ المؤطر بالمديح والاطراء، ذلك عندهم بداهة (شر البلية ما يضحك..) كتلغيز واطناب بالمثل الشعبي الدارج ((أنا.. بياحال، وانته.. تلوم بيهّ؟!))
احسب ان تراث (مؤيد نعمة) الابداعي، ذخيرة، لا يمكن التفريط بها، ذلك لأنها جاهزة المثول في المراجعة والتذكير أمام متشابهات الحالات الواقعية التي يختزنها تراثه المجيد.
وفي بواكير تطوره الاكاديمي ونضوجه الثقافي، والفكري، اذا ابتعدنا نسبياً عن اختياره السياسي وعن تعبيره الهادف.. نجده كلا واحداً متكاملاً لايقبل التجزؤ، .. وقد الممنا به في فترته السبعينية المبكرة، وثمانينيات احتجابه في التجنيد القسري، خلال الحرب العراقية الايرانية، واثقاله بأوامر الضباط البدويين، وغبائهم عما يقولون (مو كل مدعبل.. جوز) (؟) وفي اغترابه بين بلدان النفي والهجرة واللجوء في الحل والترحال، في تسعينيات اعوام القرن المنصرم، خلال الربع الاخير.. عاد الى وطنه، فوجدنا مؤيد نعمة: فرشة ونظارات ترى، فترسم ((الطريق..)) وتحدد ((المدى)).
فلو دأبت اكاديمية الفنون الجميلة وجامعة بغداد – وعماداتها المؤهلة، بالاضافة الى نقابة الصحافيين العراقيين بمعية مؤسسات وزارة الثقافة العراقية، المعنية بتراث الرواد والعباقرة العراقيين.. ان تجدر بها الالتفاتة نحو تراث هذا الفنان الملتزم بالحضور والمواكبة الدائمين.