اطبع هذه الصفحة

 

 

الانعكاس الفني للواقع 

د. مهند طابور

 يتعلق الانعكاس بمسألة التجديد، لا بالتقليد، او التماثل.. فالاصالة الفنية للكاتب الواقعي، التعبير عن جوهر الواقع ووضع افاقه الداخلية في مستوى حركة الزمن، لان الكاتب الواقعي لا يرتبط فنه بالنقل الحرفي وموضوعه الفني موضوع من موضوعات المعرفة "والمعرفة ليست نوعاً من التماس الميتافيزقي المباشر مع (الشيء بذاته) بل تسلسل لا حد له تنتقل فيه الذات من الجهل الى المعرفة، محولاً تحويلاً فاعلاً، تدريجياً، (الشيء بذاته) الى (شيء لذاتنا)... وهكذا فان الحقيقة التي هي انعكاس تام للمواضيع في وعي الانسان، هي تسلسل لا نهاية له. والبعض يرى ان هذه المعرفة ما هي الا نهج ايديولوجي جاهز النظر قدمتها العلوم الطبيعية ابتنت باثرها وظيفة الايديولوجيا التي تحاول مسايرتها الواقعية.

ان ما تقدمه الايديولوجيا، او العلوم الطبيعية، او الحياة الاجتماعية بعلومها، تشكل روح هذا الاتجاه من الفن الواقعي لانه لم يعزل نفسه في بوتقته الخاصة، وان مرافقة الفن للايديولوجيا، بلا ريب، له تأثيراته الخاصة نحو الجانب السيء من وظيفة الفن، لكن الواقعية لم تأخذ من الايديولوجية او العلوم النظرية الاخرى... معالجة الفن لهذه المشكلات ليس بمثل ما تبغيه الايديولوجيا.

الايديولوجيا عندما تحدد سمات الواقع وتحدد السمات المطلوبة لعملية التحول الاجتماعي، فانها تنطوي على فكر نظري مجرد ويبقى محصوراً في سياقه التاريخي المجرد، والفن عموماً لا يتعامل مع هذا الواقع من باب التجريد النظري وانما يحمل نفسه على ادراك البواعث التي تقف خلفها الايديولوجيا.. واقعية العصر ليست بمعزل عن حضارة العصر ولا عن التطور المذهل في جوانب الحياة المختلفة. وان الاكتشافات العلمية المرافقة للعصر لم تجعل الواقعية طريقة جوفاء فارغة. "ان الفن ليس الا اسلوب حياة. واسلوب حياة الانسان عبارة عن عمليتي انعكاس وخلق لا ينفصمان بعضهما عن بعض لان الانسان ليس منعزلاً، وعندما تواتيه فرصة التفتح والانطلاق فانه يتحول الى عالم صغير يحمل في طياته ثقافة الجنس البشري السابقة عليه، اما حاضره فيتمثل في (وجود) عصره في كيانه. ان هذه النظرة الجديدة للواقعية لا تسقط المعرفة من حسابها وانما توحدها مع العمل الانساني في خلق معيار جديد للفن الواقعي يوفق بين الخلق واعادة الخلق مؤسس على فهم تاريخي واجتماعي للشخصية الانسانية، وحينما تكون الواقعية في صيغة القانون لا تجمد نفسها عند نظامه بل تعيد لهذا القانون اعتباره، عندما "لا تطالب العمل الفني بان يعكس الواقع في شموله... ومن الممكن ان يكون العمل الخلاق عبارة عن شهادة جزئية بل وذاتية الى أبعد الحدود من علاقة الانسان بالعالم.