اطبع هذه الصفحة

 

 

فصول من تاريخ المسرح العراقي .. ( الطقوس الدرامية المقدسة ،والتقمص والتشخيص عند قدامى العراقيين )

لطبف حسن

 التشخيص كما جاء معناها في القواميس المتداولة ، كلمة مشتقة من الاسم ( شخص) وجمعها ( اشخاص)، تطلق على الانسان  وغيره ، ذكرا او انثى ، وعند المولدين تعني التمثال المصنوع من الحجر ،  و(التشخص) تراءى بصورة  شخص آخر ، وأشخص به ،  أغتابه  ، و أظهره بما  هو ليس فيه من صفات .

فالتشخيص من هذا المعنى ، هو تماهي الشخص بصورة شخص آخر مجازيا ( انسانا او حيوانا وغيره ) أي  أعادة تشكيل  لصورة شخص آخر معين ( ولبس جلده ) ، و تقمص وتقليد حركات  وسلوك الآخر ( في حالة الانسان الصياد )  والأدعاء  بأمنلاك الطاقات والقدرات الأعجازية للألهة على البشر عن طريق التظاهر بالتوحد بها.( في حالة الكاهن )

فهو يقترب من فعل التمثيل الدرامي كثيرا ، ويشكل اصله وبداياته ، ولايتطابق مع كل شروط دراما المسرح ، التي نبحث  هنا عنها في الطقوس الدينية ، و معتقدات  سكان الرافدين القدماء . .

الرافدينيون في هذا الباب هم من اقدم الشعوب التي عرفت التشخيص الهادف كسلوك في الحياة ، و الذي يقوم به الحاكم.منذ نشوء فكرة السلطه والملكية والتقسيم الاجتماعي في بلاد سومر ، وسخر حكام هذا الشعب الذي مازال أصله غامضا على علماء الاجناس والتاريخ  ، طقوس التشخيص سواء في المعبد أوفي البلاط  أو في الشارع ، لتأكيد سلطة الكاهن المقدسة التي لابد منها ، دنيويا على الناس .

  كل نتاجات فنون وآداب سكان الرافدين  القديمة التي وصلتنا لحد الان   من  (جداريات  ونحوت ورقم مسمارية والكثير من الاختام ألأسطوانية والأناشيد  وابتهالات الصلوات ) التي تعود الى مستهل الالف الثالث قبل الميلاد  والذي نستدل من هذا العصر كما هو متفق عليه ،على انه عصر بداية تبلور رمز السلطة الممثلة  (بالملك الكاهن ) ، و تدور جميع هذه النتاجات  الثقافية تقريبا حول حالة  قيام الملك بتقمص وتشخيص الكائن القوي الخارق ألآخر ، لفرض وتسويغ سلطته على الرعية .

 في المراجع الرافدينية القديمه التي جائتنا من هذه الفترة والفترات التي تلتها نجد ان الملك  او الحاكم كان يسمي نفسه مرة  بالراعي ، ومرة اخرى بالبستاني ، ومنحوتات هذه الفترة تظهر الملك عادة وهو يحمل صولجانه الذي هو عبارة  عن عصا الراعي  ، ولفة على شكل حلقة من الحبال ،  وبعضهم يحمل فأسا أو منجلا رمز المزارع ، ومن الجدير ان نذكر  ان صفة الراعي للملك او الحاكم المجازية هذه مازالت مستمرة  الى يومنا هذافي عالمنا المعاصر ، فيقال الملك يرعى  رعيته ( أي شعبه ) ، فقد ارتبط منذ ذلك اليوم الغارق في القدم في الحضارات الرعوية والزراعية ، اسم  الراعي  بالحاكم والسلطة ، وأسم الرعية وهي ( الماشية في الاصل) بالشعب والامة ، وهذا نجد  انعكاسه في آداب العبريين فيما بعد ،  الذين كتبوا  توراتهم في بلاد الرافدين ، ووصفوا ملوكهم بالرعاة  ، كالنبي شاؤول الراعي  والنبي داوود الراعي ، وتحدثوا عن موسى النبي المؤسس الذي امتهن الرعي بعد الخروج من مصر ،  وقاد  العبريين الراعاة نحو ارض الميعاد .

 ومن اقدم ماوصلنا  من وثائق مكتوبة ، تتحدث عن الملوك والحكام السومريين الذين عاشوا قبل الطوفان ، التي تقول:-

- حكم الأله دوموزي الراعي ، البلاد (36000 سنة).

- وايتانا الراعي الذي صعد الى السماء وثبت  اركان البلاد ، كان ملكا حكم ( 1060  سنة ).

- وحكم الملك الأله  لوكالبندا الراعي ( 1200 سنة ).

.....الخ.

لاشك ان اسماء هؤلاء الملوك الملقببين بالرعاة، والذين دخلوا عالم الاسطوره والخرافة بعد موتهم  ،  والمدد الفلكية التي حكموا فيها الواردة الى جانب اسمائهم،  هي ارقام خيالية لاتمت الى التاريخ بصلة ، وهناك جدل لم ينقطع حول تفسير هذه الارقام المذكورة في القائمة ، ولم يتمكن العلماء  حتى هذا اليوم ان يعطوا جوابا مقنعا عنها ، هذه الارقام لاتهمنا شيئا في البحث هنا ، كل مايعنينا من أمر القائمة انها تربط بين فكرة الملك والراعي ، ومدى قدم تصور الانسان الرافديني  لهذه الفكرة ، التي قد تكون  لها جذور  حقيقية صحيحة ،  اذ لابد ان الملك الاول في مجتمع ( زراعي – رعوي ) قد مارس مهنة الرعي والزراعة فعليا في البداية، وبقيت  هذه الصفة ملازمة للملوك في العصور التاريخية التالية ، وقام الملوك الذين جائوا من بعد هذه السلالة بأستعارة لقب الراعي من هؤلاء الاجداد باعتبارهم  نخبة من  البشرالأوائل من الذين قاموا باعمال بطولية خارقة  اكتسبوا  عليها صفة الألوهية  ،  أن تقمص  وتشخيص  صورة الجد الملك الأله كان يهدف بالدرجة الاولى الى فرض السلطة المطلقة  للملك المعاصر الآني على الناس ،  التي تشبه السلطة و الدور الذي يضطلع به الراعي تجاه  الماشية ( رعيته) ، ان وضع الحاكم في الدولة السومرية  الناشئة لايختلف  عن وضع راعي الماشية في شيء ، فكلاهما عليه ان يتصرف بشؤون رعاياه  بشكل مطلق ، فالملك يتدبر امور شعبه ويسوسه وفق حكمته آخذا بنظر الاعتبار الظروف والحاجات ، وهو مفوض من الآلهة  بان يفكر ويقرر بدلا عنها ، والراعي  يتحكم في شؤون  الماشية  كما يشاء ، ويرعاها بالاسلوب نفسه ، اذ انه يتحكم في امرها وفي شؤون حضائرها ويمارس عليها الرعاية وكامل السيادة  . 

ان ربط مصطلح الراعي بالملك ، كان يجري التأكيد عليه بسلسلة من الطقوس التعبدية والصلوات اليومية ، يقوم بها الناس لخلق الاحساس لديهم  بان العمل الذي يؤديه الراعي هو عمل طبيعي لابد منه وهو مفيد ولصالح الماشية ، وبالتالي مفيد الدور المشابه للملك بين الناس ويصب في صالحهم ، فراعي الماشية هو من طينة أعلى وجنس آخر متقدم  على الماشية، (جنس البشر) ، لذا جرى ربط السمو والنبل بالملك  من دون الرعية ، ولكي يختلف عنهم  يرفع مقامه عن مستوى البشر الى مقام الالهة ، لذلك اكتسب الملك كل صفات وصلاحيات الراعي في  تعامله مع الرعية ، فكما يفعل الراعي في ان يكون قاس اذا شذ احدهم عن القطيع او لزم الامر ذلك ، وفي نفس الوقت هو عادل ورحيم وحنون عليهم في الاحوال الاعتيادية ، يوفر لها المأكل و الامان و السلام  وهو قوي وقادر  على ان يدفع عنهم المخاطرالخارجية  المتمثلة بالذئاب والحيوانات المفترسة التي تتربص بهم في كل وقت ، في المقابل من واجب الناس ان يقبلوا حق الملك عليهم ويخضعوا له بالكامل  كواجب ، فكما الراعي كان يدير حضائر الماشية و يهيمن على منتوجاتها من لحوم و حليب وصوف وشعر وكل مصائرها  مسخرة وفق رغبته ، كان  عليهم قبول حق هيمنة الملك الحرة عليهم ، و التحكم والتصرف الحر  بالمنتوج والخيرات الاجتماعية العامة . (1) 

ان فكرة ( الملك الراعي ) رغم  انها تنسب بداياتها وطقوسها التشخيصية والرمزية ، الى العراقيين القدامى حصرا ، لم يمنع  ان تظهر نفس الفكرة  والطقس التشخيصي بعد ذلك عند اقوام اخرى ايضا  ، على الاغلب ظهرت بشكل منفصل عند مرور هذه الاقوام  بمرحلة  ظهور المدن والتقسيم الاجتماعي و الطبقات  ، كما هو في الحضاره الصينية القديمة مثلا التي من غير المعروف لحد الان ان كانت لها علاقة مسبقة عند النشوء بحضارة السومريين ام لا ، هذا  يؤكد ان التشخيص والتقمص نشاط بشري قديم ، بدأ جنينيا مع الدين  ومنذ مرحلة الصيد ،  ومارسه الكاهن الملك فيما بعد في المجتمعات الزراعيه والرعوية عند نشوء الملكية والدوله . فهو فعل اصيل في النفس البشرية ، موجود عند الانسان ،  منذ ان يبدأ  الطفل بعد الولادة باكتساب المخيلة ، ويستعين بها لتفسير اسئلة العقل والظواهر الطبيعية والحياتية المحيرة التي تمر عليه لاول مرة ، ومحاولته المقارنة و احلال المتشابه من الظواهر بعضها بمواقع البعض الآخر ، و يعتبر التقمص والتشخيص وأنسنة الأشياء ، احد وسائل التعبير والتواصل البشري التي استخدمها و التي سيقت فترة تعلمه اشارات الكلام ، فهي اذن فطرية وواحدة  في الانسان حصرا  في كل مكان وزمان ولانجدها في الحيوانات الاخرى ، نجدها لدى الاطفال ، و نجدها في بقايا المجتمعات الانسانية  البدائية الصغيرة الى حد هذا اليوم في افريقيا السوداء واستراليا ،  نتناولها هنا  كنموذج لما كان عليه الانسان الصياد الاول في فجر انسانيته ، فعندما كان يعود هذا الصياد القديم من رحلة الصيد الى موقع قبيلبته في الكهوف ، واثناء أعداد لحم الطريدة للتناول جماعيا ، يبداء الصياد البطل بمحاولة سرد وقائع الصيد  الخطيرة بالرقص والتشخيص  حول النار الموقدة ، تارة تشخيص للطريدة وتارة للصياد نفسه ، او قد  يقوم اثنان من الصيادين المشتركين في الصيد نفسه بتشخيص حادثة الصيد  ، أحدهم يشخص الطريدة والاخر يشخص الصياد البطل . واعتبر هذا هو الشكل الاول للتقمص والتشخيص ( التمثيل مجازا ) كتعبير و نقل الاخبار والانطباعات الى الجماعه ، عرفه الانسان  في تجمعاته الاولى في كل مكان تقريبا ،

ان الملك الكاهن هنا عند العراقيين القدامى مشخص واع يعرف ما يريد ان ينقله  في عملية التشخيص الرمزي بطقوسه الرعوية المقدسة  التي يقوم بها ،  يستخدم اكسسوارات وادوات تساعده في تشخيص الراعي ، ( الجد الأله) ، يستخدم عصا الراعي (كصولجان )، ومنجل وفأس البستاني ، واحيانا يرتدي جلباب الراعي الخشن المصنوع من اللباد الصوفي، كرمز للشخص المقدس الاخر، تماما كما يستعان الان بالاكسسوارات  في المسرح للندليل على رمز الشخصية المقصودة . ومن المحتمل ان الملك الكاهن كان في طقوسه هذه يلبس الاقتعة  المختلفة للشخوص التي يتقمصها في داخل جدران المعبد ، ويربط على ظهره اجنحه ويعتمر  قلنسوة ذات قرون رمز الآلهة ، و يحرص على ان يخلق  جوا دراميا موحيا لايخلوا من الرهبة و الاثارة والابهار والخشوع بالاستعانة بتأثير البخور والشموع و ظلمة المعبد من الداخل لزيادة التركيز ، ويحرص ان بنحر الاضاحي بنفسه بصفته الكاهن الاكبر وويغمس يديه  بدمائها ويلطخ  جدران المعبد بها  على اصوات الدفوف و عزف الموسيقى والنواح والصلوات والانشاد ، صنع  جوغير عادي مقصود ، كما يحدث في المسرح الآن ، ومازال رجال الدين على  أختلاف الاديان التي يتبعونها حريصين    لحد الآن على توفير عناصر خلق الجو التعبدي هذا بالنقل عن هذا الاصل ،  وتوارثته جميع بيوت العباده المختلفة في عالم اليوم .

ومن المؤكد ان الملك الكاهن عند السومريين في الواقع لا بعمل راعيا في حياته العادية ( رغم أنه كان يمتلك القطعان الكبيرة من الماشيه التي يرعاها فعليا بدلا عنه أناس آخرون )،   وانما فقط في المناسبات الطقسية التي كان يتحتم عليه ان يظهر كرمز،  متقمصا ومشخصا دور  الراعي وهو يعتني بالماشية ويقدم منها الاضاحي بنقسه على مذبح المعبد ، وينشد الاناشيد ويتلوا الصلوات التي  تدعو الى ان تحل  بها البركة وزيادة العدد  ، وعادة ما يقوم  الكاهن بهذا الدور في أول ايام عيد جز الاصواف في  الربيع من كل سنة،  فمن غير المنطقي ان ينصرف الملك الى اعمال الراعي وادارة شؤون الماشية  كليا على حساب تسيير امور الدولة ودوره الاساسي فيها كملك.

 بما ان الحضارة السومرية رعوية – زراعية ، فانتاجها الثقافي والفني برمته يدور حول الخصب ، والرعي ،  وفصول السنة ، وطقوس العباده عندهم شديدة الارتباط والانشغال بهذه الاغراض ، وقد أحتوت هذه الطقوس ،على حالات عديدة من التقمص والتشخيص الدرامي الطقسي الصاخب، حالها حال جميع طقوس الاديان والعبادات  الاخرى في العالم التي لاتخلوا منها ، لكنها تتميزعند سكان وادي الرافدين ، وهذا واضح بجلاء في احتفالاتهم الطقسية المهرجانية  ، التي يكرسون بالكامل هدفها المباشر على تأكيد حق الملك الكاهن في حكم الرعية  ، بتفويض قوي من الآلهة .  

  لاشك ان السومريين كانت لهم  ريادة البدايات والافكار الجنينية الاولى في صياغة الحضاره الانسانية العالمية بدءا من ولوج البشرية الى مرحلة ألتاريخ بفضلهم في  أختراعهم الكتابة ، هذا لايختلف عليه  احد ، الا ان هذه الاكتشافات التي توصلوا اليها وتنميتها فيما بعد  لم تبق  في نطاق المبدعين السومريين وحدهم ،(غير معروف لحد الان اصل السومريين  والمناطق الاصلية  التي نزحوا منها سوى انهم  من غير الاصل السامي او الهندو اوربي وتختلف هيئاتهم  ولغتهم عن هذين الاصلين ، فلغتهم المكتوبة  مقطعية تشبه في نظامها ، نظام لغات بعض الشعوب التي  سكنت ضفاف بحر قزوين ، وهذا السبب لايقطع تماما في ان تكون نسبتهم من هذه المناطق  )   لاشك ان الحضارة السومرية وانجازاتهم  التي هي اليوم  اشبه باللغزفي اعجازها ، لم تظهربمعزل عن خلفيتهم الثقافية السابقة  وتأثيرات الاقوام الاخرى التي اختلطوا بها قبل  ان يستوطنوا بلاد الرافدين وينشئوا حضارتهم ، وعندما توقفت هذه الحضارة دفعت بأفكارها الى الامام وساهمت في تطويرها فيما بعد ، شعوب واقوام اخرى كالأكديون بشكل خاص ، ومن بعدهم ألبابلييون والآشوريون والكلدانيون والفرس والفراعنة ، و أخيرا الاغريق والرومان وغيرهم من الشعوب الاخرى ، لذا ليست هناك حضارة أنزلها الله كاملةعلى شعب واحد بالذات، اوخلقها قوم وجنس واحد بمفرده دون تأثير ومساهمات من سبقهم وعاصرهم ومن جاء من بعدهم  من البشر والاقوام الاخرى ، ويلاحض على كل من تناول حضارة العراق القديمه من الباحثين العراقيين وبعض العرب انهم  يغضون البصر عن حقيقة ان اى حضارة هي نتاج عالمي مشترك  ، ويحاولون جهدهم في البحث والتبريربالدرجة الاولى  على ان العراقيين او الاصل العربي ، هم فقط كان لهم السبق الاول في هذا الجانب ، والفرادة في ذلك الجانب ، وهم الاوائل في كذا وكذا ، كأنما لم يكن غيرهم على الارض في عصرهم ، وبذلك  يتوصلون الى نتائج غير صحيحة ، وهمية مبالغ فيها ، بعيدة عن الموضوعية في قراءة التاريخ ، فعلم الحفريات  والتقدم المتواصل في فك طلاسم الآثار ،  يضيف الينا كل يوم  معلومات جديدة  عن العصور التاريخية الغابرة ، فنحن لم نكن نعرف حتى اواسط القرن التاسع عشر عندما ظهر علم السومريات ، وجرى التمكن من  قراءة وفك رموز آثار تلك الفترة ، ان هناك شعبا قديما كان يعيش فيما بين وادي الرافدين  اسمه الشعب السومري ،  والمعلومات التي كانت متوفرة عن سكان وادي الرافدين عموما غير دقيقة حتى ذلك الوقت ، والتي كانت مستقات عن ما ورد في التورات من اخبار واساطير عن  البابليين والسبي وما سموه بارض شنعار  ،  وأعتقد العالم انهم  الشعوب  ألأقدم التي سكنت المنطقة ، ومازال كتاب تاريخ الحقب القديمة مفتوحا و غير مكتمل لحد هذا اليوم ، و القناعات القديمة عنها تبقى غير ثابتة ، وعرضة للتغيير بفعل الكشف عن حقائق جديدة متواصلة بأستمرار ، اضافة الى حاجتنا في العراق اليوم لأعادة  كتابة وتصحيح تاريخنا  الذي يتناول هذه الحقب ،  والكشف عن  الحقيقة الموضوعية المغيبة ( 4) والمنطق يقول ان السومريين  الذين استوطنوافي العراق منذ نهاية العصر ( الحجري البرونزي ) لم يسكنوا ارضا خالية من البشر ، لابد ان هناك  اقوام  كانت تسكن المنطقة قبل السومريين لانعرف عنهم وعن حضارتهم شيئا الآن .

لم يستمر طويلا حكم  دول المدن السومرية ، فقد انشغلت طوال فترة وجودها بحروب توحيد المدن الصغيرة، وصد هجمات الشعوب الجبلية الفارسية  من الشرق ، والحيثيون  من الشمال ،  و بدو صحراء الجزيرة الساميين من الجنوب والغرب ،  ضعفت ووهنت قوة دويلات المدن السومرية بمرور الزمن ولم تستطع ان تواصل الصمود  طويلا امام  زحف بدو الجزيرة القوي والمنظم عليها بقيادة سرجون الاكدي الذي ازاحهم  تدريجيا عن الحكم ، وحصرهم في دويلات صغيرة تابعة ومهادنة له ، وعين عليها حكاما من الساميين  ، مؤسسا الامبراطية الاكدية القوية  ، واليوم لايمكن تناول الحضارة الاكدية  بشكل منفصل عن الحضارة السومرية ، فقد ورث هذا البدوي الخشن  حضارة سومر المدنية جاهزة من كل الوجوه ،  وأنصهر فيها ، مختطا لنفسه منذ البداية   نهجا ، سار عليه من بعده  ملوك اكد من اولاده ، يتطابق تماما مع نهج ملوك سومر الاوائل ،  وتشبهوا بهم كثيرا ، وقد تفاعل الأكديون بأيجابية كبيرة والى اقصى المديات مع الارث الحضاري السومري المديني وتعلموه وتمثلوه بعمق ، اخذوا منهم الدين ،

بنفس الآلهة (  أعطوها أسماء آلهتهم  السامية القديمة)  بطقوسها و جميع مراسيمها التعبدية ، والقانون  ونظم الحكم ، واستفادوا من كامل منتوجهم الابداعي والثقافي ، الكتابة والملاحم  والنحت والبناء والمعمار وأستخدام العجلة  والري والفلك .. الخ من منجزات السومريين الرائدة ، اخذوا منهم كل شيء تقريبا وبنوا عليها حضارتهم لاحقا .

الا انه لسبب غير معروف ومحير ، قام ( نرام سين )  ، نجل سرجون قبيل سقوط امبراطورية أكد ، بتدمير مدينة نفر ، وكانت مدينة بالغة القدسية والأهمية عند السومريين ، ودنس  ونهب تماثيل الآلهة الموجودة في معبد ( انليل)  ، واضطهد بقسوة وشرد كهنتها ، وهدم المدينة  بعد  سبي دام اياما ثم احرقها ،   الا انه لم يلبث حتى هزم بدوره هزيمة شنيعة على يد الحيثيين من  الشرق والشمال ، اذ اجتاحوا امبراطوريته الاكدية وبقايا مدن سومر واحالوهما يبابا ولم تقم لهما قائمة بعد ذلك( 2 ) الا بعد قرون ، و على يد  العاموريون القادمون من الغرب .  

ان ماقام به نارام سين الاكدي بمدينة نفر السومرية لم يكن غريبا أو خارجاعلى اعراف واخلاق العالم القديم في الحروب ، بل تواصلت هذه الاعراف عند كل الشعوب تقريبا في طريقة  تعامل الغازي المحتل الانتقامية القاسية  للمدن المغتصبة .

كانت الخطوة الأولى  للغازي المنتصر  بعد الاحتلال ، هي السيطرة على معبدها الرئيسي ،  الذي هو بمثابة  المركز االسياسي في ادارة الحكم (المركز الآيدولوجي للدولة )  و ( مقر الكهنة الحكام ) رجال السلطة الفعليين ،الذين يطردون في هذه الحالة من المعبد بعد ان يجري الاستيلاء على كل ما يملكون من اموال وأطيان ويجردون من ما لديهم من امتيازات والقاب ، وفي اغلب الاحيان  كانوا يقتلون ، ثم تحل الآلهة الحامية الجديدة للمحتل،  وتماثيلها  وطقوسها وكهنتها محل  تماثيل وكهنة آلهة المدينة المهزومة  ، وتظهرعندئذ في المدينة طبقة جديدة  من الكهنة ، من الذين  نجو من الموت ، وأصبحوا عاطلين لا عمل لهم ، طبقة منبوذة ،  مجردة من سلطتها القديمة لاتملك شيئا  ، ولاتجيد صنعة معينة تعلمتها في حياتها تعتاش منها غيراجادة الغناء والتراتيل ، المكتسبة من ادائها الطويل  لشعائر الآلهة القديمة في المعبد ، وقد تجيد العزف على آلة موسيقية او اكثر و تحفظ الملاحم والقصائد  والاناشيد الدينية   على ظهر قلب، وتعرف اسرار وطريقة أداء الطقوس المقدسة  ، وممارسة تطبيب الامراض  ورمد العيون  وتحضير الادوية المختلفة من الاعشاب بخلطها مع بعض المواد المعدنية والعلاج  بالتعويذات  والادعية .  

وقد تشكلت في  الفترة الاكدية  القصيرة العمر  التي لم تدم اكثر من مائة عام ، فرق غنائية جوالة على عربات  ، من قبل هؤلاء الكهنة  المنبوذين ، الذين امتهنوا الكدية بالغناء وترديد الاناشيد والصلوات  المقدسة  وتلاوة القطع الحوارية الدينية الخاصة بالآلهة القديمة وعروض درامية طقسية ، وكان هؤلاء المنبوذين يلقون عادة تعاطفا و ترحيبا وتشجيعا من الناس المغلوبة على امرها من الاجنبي المحتل ، وقد استغلها  الكهنة المنبوذون ، الذين هم  ايضا ساسة منزاحون بالقوة ، في تجميع حركة المعارضة أحيانا ، وتحريضها الناس عن طريق تمجيد الماضي والايام الخوالي  والحنيين الى الزمن الذي  كانت فيه الآلهة القديمة هي السيدة على المدينة ، والتي كان البشر يرفلون بضلها  بالسعادة الغامرة. 

لربما  سبقت  هذه التجربة ، قوافل الغجر الرحل على العربات ،  الذين كانوا يمرون بدويلات سومر قادمون من الهند ، وكانوا  لايمتلكون حرفة محدده  يعتاشون  منها ، و الى هذا اليوم نجدهم  يعتاشون على الكدية  وأداء الرقص والغناء الشعبي الخاص باقوامهم  . 

 ليست هناك اية ادلة  تثبت ان فرق الكهنة الغنائية الجوالة  التي  كانت تجوب اطراف المدينة النائية والقرى  والاسواق والبيوت ، وتظهر على الهامش في احتفالات رأس السنه والمناسبات  المهرجانية والاحتفالية  ، وتقدم أيضا  خدماتها الطبية المتمثلة  بعمل التعاويذ والادعية   والسحر لعلاج الامراض ، وتجمع بعض النذور والعطايا والصدقات من الناس ، ان عروضها التي  قدمتها من على عرباتها الجوالة ، لاتشبه ماكان يقدمه الغجر على عرباتهم او  ان هذه العروض  قد تطورت الى ما هو ابعد من الشكل المقدس الذي كانت تقدمه ايام زمان في المعبد ، فقد كانت العربة آنذاك  اقرب الى معبد متنقل لاله سري محضور ، منه الى عربة جوقة  غنائية ودرامية متنقلة . وبقيت اسيرة السكونية المطبقة للمقدس لفترة طويلة جدا ، ولم تتخلص من مجال  أسارها  نحو  مدى الدنيوي الحر طوال الفترة التي عاشها العالم القديم الذي يسبق ظهور الامبراطورية الرومانية . 

لربما فضل فكرة عربات الغناء السومرية الجوالة ،  قد وجد له  فيما بعد انعكاسا في فنون الشارع الفولكلورية عند الشعوب الاخرى في العالم بعد قرون طويلة من الزمان ، ولربما تم خلال هذه القرون , لاسيما في العصر الروماني ، التي شهد تفاقم   الصراع الاجتماعي وتفجره ، فيما بين طبقة  السادة الاحرار الذين يشكلون حفنة ،  وطبقة العبيد الاغلبية  ، التي ساعدت في  بلورة شروط انضاج  شكل وتقاليد فنون  الشارع الشعبية الرافضة للأوضاع والظروف التي تعيش فيها العامة وطبقة العبيد ، والتي شكلت عاملا من عوامل  انهيار وسقوط الامبراطورية الرومانية ، هذه الفنون التي أكتملت  وانتعشت في العصر الوسيط ، و التي من بين ذيولها ، المساخرالنقدية المرتجلة في اوربا ( ديلارتي)، وفن ( الأخباري) في العراق وباقي بلدان الشرق العثماني ، وفنون الاسواق والفرجة في شمال افريقيا والمغرب العربي  ، وأنتعاش وانتشار فن خيال الظل شعبيا منذ اكتساح المغول للعالم  ، وأغلبها فنون ناقدة للوضع الاجتماعي، خارجة عن مراقبة وتوجيه وسيطرة السلطة ، يقوم بها عادة المنبوذون.

 أن هناك من يقول جازما ان الادب الرافديني القديم قد احتوى على نصوص مسرحية كانت تمثل ، ويستشهد  ببعض الملاحم التي منها الخليقة ، ونزول عشتار الى العالم السفلي  وكلكامش وغيرها من قصائد واناشيد دينية ، وعدد من الحواريات ( السيد والعبد )..الخ .  لربما هم على حق ،  ولكن  لم يوردوا أدلة علمية محكمة على ان هذه النصوص كانت تقدم فعلا على المسرح ، وأستندوافي تعليلاتهم أحيانا على تأويل وتحميل النص الطقسي بأكثر من ما يحتمل ،

  لاشك ان قرائن عديدة متوفرة تثبت بشكل جازم ان  العراقيين  القدامى عرفوا التشخيص والتمثيل الطقسي  في المعبد وفي احتفالاتهم الدينية العامة  ، حالهم حال جميع اقوام البشر الآخرين تقريبا ، وان وقائع اسطورة الخليقة بالذات  كانت  تشخص  بشكل أكيد في اليوم الرابع من ايام اعياد (رأس السنة عند السومرين والبابليين والاشوريين) ( 5) ،  فقد كان من النوع  العرض المهرجاني الذي يشترك في ادائه الجميع ، الملك والكهنة والجمهور   وكانت تتلى في هذا اليوم  ملحمة الخليقة بالكامل ، وقد يرافقها للتعبير والأيضاح ألتشخيص والرقص والغتاء الجماعي  وبعض الحركات الرمزية وتتخللها الحوارات القصيرة ،

 ولهذا المهرجان مكان خاص مقدس يقام عليه يسمى ( أكيتو ) أو بيت الاحتفالات ،  كان  مبنيا في كل المدن السومرية  ومن بعدها المدن البابلية والآشورية وغيرها ، يقع في مرج خارج المدينه ، او في بستان على اطراف المدينة ، ( يذكرنا بتأثيرفكرة اختيار هذا المكان على  اختيار المكانات التي كانت تقام فيها اعياد باخوس في اليونان ) لم يجري التوصل لحد الان  الى شكل بناء وطراز بيت الاحتفالات لاندثاره ، ( لان مادة البناء التي استخدمها سكان الرافدين في البناء ، كانت من الطين وطابوق اللبن الغير مشوي  الذي  لايقاوم  الزمن  وعوامل الطقس )  الا انه قد عرف من أساساته بأنه مستطيل الشكل ،وهناك حفرة غير معروف  الغرض من احداثها تقع في طرف المستطيل ، بالقرب من الجزء الذي من المعتقد انه كانت تقدم فيها الفعاليات الطقسية ، وجرى تخمين ان هذه الحفرة لربما كانت تؤدي الى قبو يمثل مجازا العالم السفلي ،

أن مايجري في ايام اعياد رأس السنة ( وعددها أحد عشرة يوما ) تبدأ في اليوم الاول من نيسان ، هو احتفال طقسي اكثر منه مسرحي ، يلعب الجمهور فيه دورا أساسيا كمشارك و يشكل جزءا من العرض ، اشبه  باحتفالات باخوس  في  بعض الوجوه ،  وقريبة الشبه بالتشابيه الحسينية الطقسية  للشيعة،

أن طقوس اليوم الخامس وما يليه  من ايام أعياد رأس السنة عند سكان الرافدين ، تستحق التوقف عندها ، والقاء الضوء عليها لغناها بطقوس التقمص والتشخيص الجمعي ، وقد أخترت اعياد بابل لتوفر المصادر الأكيدة الكافية عنها ، 

 يتوجه الملك في هذا اليوم  من قصره الى معبد المدينة الرئيسي المخصص لعبادة الأله مردوخ ،  وقد تجمعت فيه جميع تماثيل  الآلهة القادمة من معابدها ، ان كانت معابد صغيرة في المدينة ، أو من المعابد الكبيرة في المدن البعيدة ، لزيارة كبير الآلهة  مردوخ  في هذا العيد ،  

يصعد الملك مباشرة الى الغرفة العلوية  السابعة في الزقورة ، ليلتقي بالكاهن الاكبر ، حيث يجرد الكاهن ، الملك  من شارات  الحكم  التاج ، وختم الملك و الصولجان (رمزعصا الراعي ) وحلقة الحبال ( رمزأيضا لأدوات الراعي ) ، ويضعها أمام قدمي تمثال الأله مردوخ ، ثم يصفع الكاهن الملك على خده ، ويشد له  أذنه ، ويرغمه على الركوع امام التمثال ، ويطلب منه الأعتراف  بخطاياه ،  يبدأ الملك بالولولة والبكاء ويعلن برائته من كل فعل أذى تعرضت له بابل خلال السنة المنقضية ، وقد يعترف ببعض الاخطاء الطفيفة  التي يطلب الصفح عنها ،  ويباركه الكاهن بعد ذلك  ويتركه  ليبيت ليلته مع  الكاهنة الكبرى ، حيث يتم زواج الخصب المقدس بين الكاهنة ( التي تتقمص شخصية عشتار )  والملك ( الذي يتقمص شخصية الأله تموز ) . 

خلال مكوث الملك عند الكاهنة ، يأخذ الكاهن شارات سلطة الماك وتاجه وخاتمه من بين قدمي ت