ندما صدرت رواية أبو گاطع (قضية حمزة الخلف) اوائل الثمانينيات سألت اصدقائي من الادباء العراقيين في دمشق –وما اكثرهم- آنذاك:- "هل قرأتم الرواية؟" فكان جوابهم بالنفي، ولعل أكثرهم لم يقرأها حتى هذه اللحظة، ولم تجد نفعاً مبادرتي بشراء نسخ عديدة من الكتاب لوضعها في مكتبة مجلة الثقافة الجديدة، وقد كانت المفاجأة أكبر عندما علمت أن (رباعية “أبو گاطع” ) لم تقرأ ايضا. بعضهم قال لي أنه قرأ صفحات منها، وبعضهم إدعى قراءتها منذ سنوات وقد نسيها، وبعضهم الآخر لا يتورع عن نعتها بالعادية ولربما بما هو أسوأ من ذلك. كما أسر لي صديق ناقد قبل أيام. وعندما سألته: "هل قرأتها؟" تردد لحظة ثم أجابني إنه قرأها منذ سنوات، والاصح "لم يقرأها" فالذي قرأها منذ سنوات وقد نسيها ما أحراه بالمراجعة والتأني والتوقف عن الحكم حتى قراءة أخرى.
وليس هذا بمستغرب، فما اكثر ما توهمنا قراءة كتاب مشهورين لم نعرف منهم غير الاسم، كم منا قرأ بلزاك الذي رددنا كثيرا ما قاله عنه ماركس او لوكاتش!؟ وكم منا من توهم قراءته لسبب وحيد، ربما، هو ليس بمقدورنا تصور أن مثل هذا الاسم لم يكن يوما من مصادر تكويننا الثقافي، فلو قرؤوها حقا لما أرفقوا مقالة صديقي وعزيزي المرحوم مصطفى عبود عنها لأنهما على طرفي نقيض، كما سأبين فيما بعد.
وقبلها رفضت جهات عربية في دمشق توفير المكان لنا لاقامة ندوتين عن “أبو گاطع” لانه مجهول لديها. ولعل في رفضها ما يعذر –لنقل ذلك- ولكن ما عذرنا نحن إزاء اشهر كتابنا شعبية؟ وما هو ادعى للتساؤل أننا لا نتحدث عن “أبو گاطع” إلا في المناسبات، وكأنه ذكرى عابرة، وليس ذلك الجزء الحي في أدبنا الروائي الذي ظل طويلاً يفتقر الى ما يجعله حياً حقاً. ولعل فضيلة “أبو گاطع” هي هنا... في قدرته على كشف ذلك الجزء المجهول الذي ربما سيظل مجهولاً أبداً لولاه، وهذا لم يأت من خلال مقاربة لكتابات عن الاصلاح الزراعي –هي ذاتها موضع جدل- بل من خلال مقاربة للواقع ذاته، وتمثل لنماذجه التي عايشها الكاتب. يقول أبو گاطع: "إنني احمل اصدقائي بين يدي.. اصدقائي الذين عايشتهم ليالي الشتاء الطويلة.. أحاورهم... اتخيلهم... أبدل بعض ملامحهم.. اضيف عبارة... او أحذف لفظة... وفي نهاية المسيرة مع –الدفترين- توطدت صداقتي مع حسين، على نحو عجيب أناجيه وأناغيه، أحيانا أصغي الى اشعاره، وكأنني اسمع صوته، برغم مسافة السنين". (من كلمة أبو گاطع "السؤال لك يا سيادة وزير الاعلام").
واذا كان من حق هذا الادب القادر على كشف ما هو غائب أن يجد حضوره، أي موقعه في أدبنا الروائي عبر نقد كاشف بدوره. فإن ما نراه هو العكس تماماً: غيابه الذي كان غياب واقعه في الاصل والذي لايحضر إلا عبر مناسبات وتذكارات لاتقربنا من أدبه، إن لم تبعدنا عنه، لأنها تذكارات عن الصورة الاخرى التي يريدها الاخر. عبر وهم الايديولوجيا. وتوهم الذات. لذا فإن ما حسبناه حضوراً لم يكن الا غياباً وما استرجعناه لم يكن الا نسياناً، لأن أية ذكرى لا علاقة لها بحاضر العملية الابداعية ليست سوى ماض منسي، غير ان “أبو گاطع” ليس ماضياً منسياً، وان جعلناه كذلك في تذكرنا له بالذات، رغم محبتنا له جميعاً.. محبتنا التي لا اشك بها ابدا... وإلا فمن يدلني الى دراسات عن أدبه كتبت بمعزل عن هذه المناسبات باستثناء دراسة وحيدة هي دراسة مصطفى عبود التي أشرت إليها وهي دراسة إشكالية لا يمكن ان تكون مدخلاً للرواية ابداً، كما أرادها الناشرون لاسباب هي:
1-احتوت على أحكام قبلية قد تكون ذات تأثير سلبي في تشكيل أحكام قارئ الرباعية وناقدها، ومن هذه الأحكام بتعبير مصطفى: قلة خبرة الكاتب (رغم وفرة الموهبة) التي اذا اقترنت بمصاعب التأليف الروائي فإنها تؤدي الى مخاطر كبيرة تتمثل في احتمال فقدان السيطرة على المادة الأولية وتزعزع وحدة وسياق الموضوع، الرواية في أقسامها الأخيرة عن تشخيص العلاقات الفعلية واقتصارها على وعيها فقط.
ترافق هذه الأحكام أحكام أخرى ينقض بعضها بعضاً، فالرواية من جهة وعي، وهي من جهة اخرى "اقتربت من القول الذي يرى عن حق ان الخاص هو مادة الرواية"، كما أنها "أبدت مقدرة على تذليل المادة" ولكنها في موضع آخر في المقالة ذاتها "لم تهضم المادة الأولية هضماً كافياً" وإنها لم تلتفت كثيراً الى العديد من الظاهرات المثيرة للاهتمام في حياة القرية التي تغني الرواية وتزيد من كثافة تركيبها العضوي". وهنا لابد من السؤال: ما هي هذه الضرورات المثيرة التي أدركها الناقد ابن المدينة وغفلها الكاتب الذي امضى جلّ سنواته في الريف؟
هذه الاحكام، وما اعقبها من أحكام ينقض بعضها بعضاً، تعبر عن موقف الناقد الحائر بين معرفة جاهزة بشخصية الكاتب، ومعرفة غائمة بواقع الرواية، وتشكل النزعة التنظيرية والمرجعية من خلال الاستشهاد بكتابات الاصلاح الزراعي مسافة اخرى في ابتعاد هذه المعرفة التي تحل محلها صورة الكاتب الايديولوجية التي ينقدها الناقد –وهذه مفارقة حقاً- بالايديولوجيا نفسها وقد تسلحت بمرجعية متوهمة لإختفاء مصداقية على نقد يتحسس واقعاً يفلت من الوعي، فالنقد وليس الرواية باعتبارها تجربة معاشة، هو ضحية هذا الوعي الذي يريد ان يفرض مساره وضروراته بديلاً من مسار وضرورات الواقع او مصادفاته في الرواية نفسها، فهو لا يريد لبعض الشخصيات الغياب لأنها شخصيات إيجابية –على حد المقالة- كشخصيتي ملا نعمة وفاضل، كما انه لا يريد لراعي الغنم ان يحل "محل" الفلاح.. لماذا؟ لأن الفلاح يشعر بخطر الراعي عليه كما يقول توماس مور ولكن (أبو گاطع) ليس توماس مور وان الفلاح لم يكن ضحية راعي الغنم، لأن الراعي في الروايتين (الرباعية وقضية حمزة الخلف) هو الضحية ذاتها حتى قبل ان يتضح المسار الفعلي للاحداث... ضحية تجار الغنم في الرباعية، وضحية اغنياء الفلاحين وتجار الريف في قضية حمزة الخلف، وإذا شئنا الدقة فإن راعي الغنم هو الفلاح ذاته في رواية حمزة الخلف.
ويبلغ الوعي في نزعته الارادوية مبلغاً ابعد عندما يرى في قصة الراعي ابو البينه إشارة الى إعتصام عبدالكريم قاسم في وزارة الدفاع ورفضه مغادرتها وذلك حين يهتف صالح قائلا: "أتحمل اتعوفوني كلكم بس الشماته وضحكة الشامت ما اتحملها" وفي الحقيقة ليس ثمة اشارة في الرواية تحملنا على الاقتناع بذلك.. وما قول المقالة: "إن قصة صالح ابو البينه تحملنا على الاقتناع بأن الرواية تبلغ اللحظة التي سقطت فيها الجمهورية الاولى في شرك الانقلابيين" إلا تقدير تاريخي خاطئ، لأن صالح ابو البينه في نهاية الرواية يصرخ بعائلته التي تزمع الرحيل "لن ابرح مكاني هذا ابداً.. لست بحاجة لأحد منكم، ومثلما اسقط نقودي عبدالكريم قاسم تجي حكومة اخرى وتبعث فيها الحياة" (ج4 ص94). كما ان السيد الذي زار صالح ابو البينه وكشف له ان نقوده قديمة يقول لمضيفه: "خذ الجمعيات الفلاحية.. انتزعها عبدالكريم قاسم من ايدي الشيوعيين وسلمها للاخيار الطيبين فصار (زاير عبيد) رئيساً لجمعية العلوة ومويلحة بدلا من (ملا نعمة) وصار داود سكرتيراً للجمعية بدلا من فرحان بن سويلم..الخ" (ج4 ص83).
وهذا الحديث جرى قبل يوم واحد من انتهاء زمان الرواية.. ويرجع خطأ التقدير هذا –الى عبارة وردت على لسان احدى الشخصيات في بداية الجزء الرابع ص 16 "وبوسعي التأكيد –اعتماداً على معلومات الشيخ- ان الجمهورية محاصرة الآن في وزارة الدفاع وحسب، ويذهب هلال الصلال الى أبعد من ذلك" وهو مجرد تصور لا علاقة له بمحاصرة وزارة الدفاع في شباط 1963 لأن احداثاً كبيرة في الرواية اعقبت ذلك تؤكد ما ذهبنا اليه منها زيارة وفد الشبيبة الديمقراطية لتهنئة الفلاحين باول عيد يمر والجمهورية في عنفوان قوتها" كما جاء على لسان رئيس الوفد في الرواية (ج4 ص51).
وقد تؤدي النزعة التنظيرية الى تشابكات نجد أنفسنا إزاءها خارج الواقع والرواية معاً، فمثلا؟؟ -كما ترى المقالة- "نموذج" للبرجوازي المتوسط، وهو بصفاته الثورية المحددة يصعب تكييفها وتبديلها دون المجازفة باحداث تشويهات كبيرة واشكالات فكرية قد يصعب عليه –أي على “أبو گاطع”- ضبط حدودها". وهنا نتساءل: هل كان ملا نعمة نموذجاً للبرجوازي المتوسط؟ وفي أي موضع وعبر اية شخصية "سعى “أبو گاطع” –على حد تعبير المقالة- الى تجاوز قيادة البرجوازية المتوسطة التي كان السماح لها بالاستمرار في الحكم يعني دفع الثورة الى مأزق مسدود ومن ثم الى ماساة" هل كان ذلك عبر شخصية ملا نعمة بالذات وبعض الشخصيات الثانوية الأخرى؟ كيف اذن التوفيق بين اعتبار ملا نعمة نموذجا للبرجوازي المتوسط واعتباره شخصية ايجابية؟ ما هو مفهوم الشخصية الايجابية؟
تقول المقالة: "ان القروي “أبو گاطع” قد تعلم من المدينة مبدأين في السياسة، ان أبناء الريف لا يستطيعون ان يقودوا الثورة لأسباب آمن بها من لينين، في الاقل، الذي سبق وأكد بأن المدينة هي التي تقود الريف والطبقة العاملة هي التي تقود الفلاحين" وكانت لتجربة الكاتب السياسية الكلمة الفصل في هذا، فملا نعمة يعود بعد الثورة لتنظيم الحركة الفلاحية وقيادتها.
ماذا يعني هذا القول في تقييم شخصية ملا نعمة؟
والحقيقة ان المجازفة التي خشيها مصطفى حدثت في رواية (قصة حمزة الخلف) التي هي في رأيي جزء خامس من الرباعية، دون ان تحدث تشويهات صغيرة او كبيرة على صعيدي الفكر او النص في شخصية ملا نعمة الثورية.
وتبدو مفارقة الوعي الموضوعية واضحة في استشهاد المقالة بالموضوعة التالية: "ان الطبقة العاملة لا تستطيع المضي بالثورة الى نهاية الشوط دون الاعتماد على فقراء الفلاحين وتحويلهم الى جيش حقيقي للمجابهة مع البرجوازية.. هذه الموضوعة اللينينية الكلاسيكية هي المخرج لا للحركة الفلاحية وحدها. كما يرى المؤلف، وإنما المخرج للثورة بأكملها في العراق".
ولا ندري اين وفي أي موضع رآها المؤلف –أي أبو گاطع-.. وليس هناك طبقة عاملة أبداً لا في الرباعية ولا في رواية (قضية حمزة الخلف). والعامل الوحيد –باستثناء ناصر الذي يختفي حضوره في الرواية عندما يصبح عاملاً يستشهد فيما بعد في اضراب كاورباغي- وهو ملا نعمة السركال الذي اصبح عاملاً خلال اقامته القصيرة في بغداد. فهل ملا نعمة إذن نموذج للعامل ام للبرجوازي المتوسط ام القائد الفلاحي الذي "يريد تأسيس العلاقات في الريف على واقع اجتماعي طبقي" كما جاء في الرواية على لسان ملا نعمة نفسه رداً على فلاح اقترح اجراء التوزيع وفق اسس عشائرية (ج3 ص82).
هذا ما عنيته بصورة المؤلف الايديولوجية كما يراها النقد الذي لا يكتفي بذلك، بل يذهب الى ما هو ابعد حين يفترض "خصوصاً إذا اخذنا بالاعتبار ان شمران قد أسس روايته على بناء معد في النهج الواقعي" وفي الحقيقة فإن ما هو مؤسس على بناء معتاد هو النقد ذاته بمقولاته السياسية والأدبية المكرورة دونما اساس في الواقع او في الرواية.
2-حديث المقالة عن الوحدات الاسلوبية يقرب لنا صورة هذا النقد، فهي تأخذ على “أبو گاطع” استخدامه حكاية المجالس كاسلوب وحيد في الرباعية. ليست الاساليب الاخرى الى جانبها إلا اجزاء غير وافية بالغرض.
تقول المقالة: "صحيح أن شمران استخدم هنا وهناك مقاطع صغيرة متعددة بينها اجزاء وصلية وأخرى تحليلية، غير أنها بقيت غير وافية بالغرض عموماً، لأنها كانت على الدوام اقل إلفة وصار من طريقته المعتادة في الكتابة. الأمر الذي ساعد على تقلب المستوى بين حين وآخر، وعلى نحو عنيف أحياناً، واستطيع القول استناداً الى رأي يقول ان الاسلوب النهائي لأية رواية لا ينبثق من وحدة اسلوبية واحدة ولا من لغة واحدة مهما بلغ طغيانها على النص. استطيع القول ان شمران، الظاهر وقع في ستراتيجية خاطئة في الاصل".
والمقالة في حديثها عن الوحدات الاسلوبية تشير الى مفهوم الوحدات الاسلوبية لدى (باختين) دون ان تذكره بالاسم، وهذه الوحدات كما يعددها (باختين)، وكما يشير اليها مصطفى في مقالته في (البديل) عن الرواية العراقية هي: السرد الادبي المباشر للكاتب، اشكال السرد الشفهية المتداولة واضفاء الطابع الاسلوبي عليها اشكال السرد المكتوبة مثل الرسائل واليوميات والمذكرات، اشكال الحديث الادبية للمؤلف مثل الاحاديث الاخلاقية والفلسفية واليوميات والمذكرات، اشكال الحديث الادبية للمؤلف مثل الاحاديث الاخلاقية والفلسفية والعلمية.. ؟ الاحاديث الاسلوبية الفردية المختلفة الشخصيات في الرواية..
ترى ألم يجد الكثير من هذه الوحدات تطبيقه في رباعية “أبو گاطع”؟
وقل مثل هذا عما يذكره باختين عن الرواية –نقلاً عن مقالة مصطفى المذكورة- من أنها: "تنطوي علر تراتب داخلي للغة وعلى تنوع اجتماعي لها واصوات فردية ترن في داخلها، وانها تجمع في بوتقتها اللكنات والحكايات واغاني الشارع والاقوال الماثورة والنكات حيث يتلاشى مركز اللغة".
وأعتقد ان المرحوم مصطفى لو اطلع على مؤلف باختين عن الرواية والملحمة لربما أعاد النظر في قوله: "ويعنينا ان نتناول ولو بإيجاز جانباً يتسم بالمفارقة في هذا الشأن بالنسبة الى البعض ليست محاولة شمران، القروي الذي أوكلت إليه الأيام كتابة رواية ليست اقل من اجتراح مأثرة، هي في اقل تقدير، لدى آخرين، مبعث مفارقة خاصة إذا توقفنا ملياً عند مقولة هيجل التي ذهب الى القول بأن "الرواية ملحمة برجوازية" (ولايستبعد ان يكون ابن المدينة هو المعني بالبرجوازي عند هيجل)"
اذ يرى باختين خلافاً لهيجل ولوكاتش أن منشأ الرواية سابقاً للمجتمع البرجوازي وأنها –أي الرواية ذات اصول شعبية.
3-لاحظت المقالة "عدم اهتمام “أبو گاطع” بما يجري في حقول الريف الا عند وقوع احداث غرامية بين السواقي الجافة او ان شخصياته لا تشاهدها الا وهي تتبادل الاحاديث دون عجلة في المجالس والبيوت والطريق اثناء تناول الطعام وشرب القهوة ولف السجائر" معتبرة ذلك جانباً سلبياً. وبما ان مصطفى أبدى اهتماما مبكراً بباختين واتخذه دليلاً في مقالته المنشورة في البديل عن الرواية العراقية، كما اشرت، فإنني اود هنا ان اشير الى مقالة باختين (اشكال الزمان والمكان في الرواية) التي يرى فيها ان احداث الرواية القومية الانجليزية غالباً ما كانت تجري في القلعة، وان أحداث روايات ستندال وبلزاك، في صالة الاستقبال، وان الرواية الاسبانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر اتخذت الطريق مسرحا لاحداثها التي اتسمت بالمكر والخديعة، وان مسرح احداث روايات دستويفسكي هو الشوارع والساحات والغرف –مما يتطلب منا الدقة في تقييماتنا وتعميمها.
هذا الالتباس في معرفة الكاتب والنص مرده التباسات اعمق هي:
1-صورة الكاتب الايديولوجية التي اشرت اليها والتي تقف حائلا بين القارئ ومعرفة النص الذي يصبح في حالات معينة نقيضاً لصورة كاتبه، هذا ما اشارت إليه دراسات عديدة –ماركسية وغير ماركسية-، وفي مثالنا الذي هو أبو گاطع لا نقول إن النص نقيض لصورة الكاتب، ولكننا نستطيع ان نقول ان النص ارحب من الايديولوجيا، ومليء باحتمالات شتى ليست ايديولوجيا الكاتب الا وجهاً من وجوهها العديدة التي تحتمل التأويل. وقد تتقاطع هذه الايديولوجيا في أحيان كثيرة مع النص.. (يمكن الرجوع الى الصفحات العديدة الساخرة في الرواية مثل ص46 ج3. ص55 ج4..).
ولعل مشهد زيارة وفد الشبيبة الديمقراطية للفلاحين والمشاهد الاخرى التي ضمها الفصل الثالث في الجزء الرابع من اشد مشاهد الرواية طرافة وأنتقاداً، حيث لا يمكن للايديولوجيا بسطحها الشائع ان تمارسها سلوكا او كتابة.
2-لقد فاجأ أبو گاطع قارئه البسيط الذي يتوقع سخريته الدائمة بجديته بصفته كاتياً روائياً. مثلما فاجأ ناقده الايديولوجي بمدحه في استخدام الاساليب المختلفة ضمن اسلوبه الواحد، وإذا كان ذلك لا يرجع الى خبرته –وانا اشك في مثل هذا التقييم- فإن في خبرته الحياتية ما يكافئ تلك الخبرة التي يحرمها عليه بعض النقاد. وقد تبدت خبرته ككاتب في مرتبة ناضجة في رواية (قضية حمزة الخلف)، ففي هذه الرواية يحرص أبو گاطع ان يقدم نماذجه البسيطة بتركيب غير بسيط (حمزة الخلف، مطشر) وبلغة فصحى لم تتخل عن مضمونها الشعبي دون ان يفكر القارئ بهذه الاشكالية القائمة في اعمال روائية عديدة.
وتتبدى مهارة الكاتب الروائية بشكل اوضح من خلال تناوله مرحلة من اعقد مراحل تاريخنا العراقي المعاصر هي مرحلة ما بعد 1963 بهدوء الروائي المتمكن من دونما شعارات او مواقف ايديولوجية مسبقة، او استلاب للمأساة ففي اشد المواقف حلكة –في الرواية- يجعلنا ابو گاطع نضحك (هجوم الحرس القومي على القرية والتقاؤهم بمطشر الذي خرج عارياً من مخدع عشيقته زينة، او جو التوقيف وتعليقات حمزة وحمود شنين الساخرة).
3- جهلنا بطبيعة الحياة في الريف جعلنا نستعيض عنه بمعرفة مجردة سميناها علماً هو في حقيقته ليس سوى مقولات مجردة وفواصل اردنا لها تنطبق على عالم روائي يضيق، اصلاً، بهذه الفواصل والمقولات.
في عالم “ابو گاطع” كل شيء جائز: الغنّام يصبح فلاحاً والفلاح غناماً والسركال عاملاً وهؤلاء جميعاً شيوعيون، والشرطي انساناًُ والانسان شرطياً والضعيف قوياً والقوي ضعيفا...
كل شيء جائز... حتى البطولة والتاريخ لا ينظر اليهما ابو گاطع كمقولتين مجردتين، بل كواقع محسوس... التاريخ بخصوصيته الشديدة في قرية ما، في حدث ما، في موقف ما، والبطولة في مثالها اليومي عبر ما هو عرضي غابر وليس في انصابها وتماثيلها وتسيّدها... البطولة في الشخصية البسيطة المغمورة المليئة بالضعف والشجاعة. انها بطولة حمزة الخلف المتردد الشكاك الضعيف الخائف الصلب... تلك الشخصية التي لا ابالغ اذا قلت انها من بين اجمل الشخصيات الروائية في ادبنا العراقي.
4- عدم ثقة نقدنا وادبنا عموماً في تقديم نماذجه المبدعة الى العالم الا بحركة معكوسة لا يجعله نقداً تابعاً يبدي احتقاراً، في كثير من الاحيان، لما هو محلي. والا فما تفسير صمت ازاء رواية من اهم روايات ادبنا العراقي هي رواية (قضية حمزة الخلف) هل هو اسمها الذي يوحي بالبساطة والشعبية ام هو كاتبها الذي تراه السلطة العراقية صحفياً دون مستوى الكتابة الادبية كما جاء في ايضاحها المنشور في جريدة التآخي رداً على “ابو گاطع” –بسبب لغته الصحفية التي سأقرا لكم مقطعاً منها:
"ولما اجتازه (يقصد المنخفض) بدت الأرض مستوية وشقوقها صغيرة اشبه بتجاعيد وجه حزين. قدّر ان حافر الفرس يمر فوق أكبرها بسلام، ثم لاحظ، فيما بعد، آثار الماشية وكأنها خطوط راحة اليد، فاطمأن الى سلامة الدرب وقرر ان يستحث فرسه على المشي السريع: شدّ لجامها ولكن برفق تحت الخاصرتين فقفزت مستفزّة... وارتفع "شليلها" مثل ذئب العقرب، حركته في الهواء حركة شبه دائرية فلامس شعره الطويل رأسها في مستوى صدره وراحت تشتطّ في مشيتها وتزفر الهواء بعصبية، اعتادها صالح في بداية كل رحلة، خصوصاً اذا كان الهواء بارداً. تمنى لو كان الطريق من النباتات اليابسة: اذن لاطلق لها العنان وبدأت شحة القوة المكبوتة وبعدها تستسلم وتستقيم مشيتها. قاربت بين اذنيها ولوت عنقها جانباً ثم اجفلت....الخ" ص9 ج4 .
هذه الالتباسات وغيرها تدعوني الى التأكيد على قراءة “ابو گاطع” او اعادة قراءته بعيداً عن الايديولوجي وغير الايديولوجي، والتذكر الفجّ، فلا يعنيني كثيراً اين ذهب ابو گاطع.
ما يعنيني حقاً هو: كيف كان يفكر “ابو گاطع” ما آراؤه؟ من أين استمد عالمه الروائي؟ ما علاقة كل ذلك بطفولته؟ ما المشاكل التي واجهها خلال كتابته او الرواية؟ ما تأثير قراءاته في ابداعه هذا؟... وغيرها من الاسئلة ذات العلاقة الجوهرية.
ما يعنيني هو: دراسة “ابو گاطع” وتقييمه لا كجزيرة معزولة، حتى لو كانت خضراء، في ادبنا العراقي، بل بصفته جزءاً حياً من هذا الادب.
نريد تقييماً يقول لنا موقع “ابو گاطع” ليس في ادبنا العراقي، بل موقعه بين الآداب العربية الاخرى التي تناولت حياة الريف.
هامش:
اخيراً ان اطرح بعض الاسئلة حول مصير “ابو گاطع”: ما مصير الجزء الثاني من رواية (قضية حمزة الخلف)؟ متى يعاد طبع بصراحة ابو گاطع؟ متى تجمع قصصه القصيرة، ومقالاته، واعمدته الصحفية؟ هل تظل مشاريعنا رهن الصدفة والتمنيات التي تستيقظ في المناسبات فقط، وهل سيظل سؤالنا قائماً:
من يعرف “أبو گاطع”؟
الثقافة الجديدة