لم تكن اللينينية ومنذ انبثاقها- كنظرية شاملة للفكر الإنساني أفتراضاً مجرداً يؤطر الملامح العامة للوعي.. وللبنى الفوقية. بل أكتسبت كل مقولاتها أستغواراً حقيقياً ونزوعاً جوهرياً لجملة التطلعات الأنسانية. وهي بذلك تشكل الرديف التعبيري للمدلول الإنساني الواعد وتسجل مغايرة صريحة في رؤيتها للإبداع. لذلك فقد مست وجدانات فسيحة من المثقفين وبشرت ومن خلال مقولات(لينين) بطلاقة الاكتشاف الحسي وباستنبات طرائق جديدة تعيد التوازن بين الحلم.. والأداء بعيداً عن أية صفة معيارية تؤدي الى اشتباك وظيفة التاريخ مع النقد. وهي تسعى دائبة لربط كينونة الإنسان بالانطلاق الصاعد وتعتمد على انسانية الأثر الأدبي كمقياس أول في عملية النقد الأدبي إذ لا قيمة للأثر الأدبي إذا فقد إنسانيته مهما علا بالقيم الجمالية... صحيح- أننا نستفيد من حيث الأساس الجمالي من نواحي النضج الفني والتكنيك في إشعار.. اليوت. ولكن أين نضعها من قضايا الإنسان وتطلعاته. وإذا أخذنا [جون شتاينبك] لكاتب أعطى [عناقيد الغضب] و
[أفول القمر]- هل ننكر خدمته الأنسانية ووقوفه مع حركات التحرر والكفاح والتزامه العقائدي. وهل ننكر تطوره وخلقه لقيم الجمال- ويرى- لينين ان الفن الواقعي هو وحده الذي يستطيع إن يقوم بواجب كبير كهذا. فالواقعية في نظره هي قبل كل شئ حتمية حياتية تتحقق عن طريق خلق المثال الجمالي الاشتراكي الذي يكشف تناقضات الواقع ويعطي رؤية واضحة للطريق الحقيقي لتطور التاريخ.. والفنان أو الأديب. وهو يعتبر الفن تعبيراً عن الوسط الاجتماعي يعي في ذات الوقت تلك القضايا التي يفرضها العصر ويصور الصفات المحسوسة وظواهر البصر. لذا فقد قدمت [اللينينية] معطيات ثرة للناقد. وللمؤرخ لمواجهة النص وتفكيكه.. وأستغوار جوانبه [التاريخية أو الأدبية] وقد صارت هذه [المعطيات] رؤية واسعة وأستبصاراً متقدماً. إذ ساعدت الناقد على التقسيم الصحيح للظاهرة الاجتماعية وللصراعات ولمجمل ديالكتك العملية الأدبية. وبعبارة أخرى وكأن [لينين] يريد أن يقول لنا. إن رؤية الموضوع سواء أكان البيئة أو العمل
الفني في سياق أدراك الإنسان الاجتماعي والتاريخي له ضمان يقي من إعطاء الموضوع ثباتاً زائفاً مضللاً.. وكلما تعمقت دراستنا للعمل الفني داخل نطاق أنواع السياق التي تعطيه الحياة زاد ابتعاد دراستنا عن تجاهل خاصيته الدينامية المرنة. أو إنكارها. ولنقدم مثلاً توضيحياً موجزاً فحينما يلاحظ [كود ويل] في كتابه [ الوهم والحقيقة] أن القصيدة هي ما يحدث عند قراءتها... لم يكن واقفاً عند تقرير بديهية بل كان يذكرنا بأحد أوجه نمط وجود القصيدة بتوسطاتها مع العالم الخارجي وهو ما يمنعنا من أن نرى القصيدة ثابتة وموضوعية إذا أخذنا في اعتبارنا جدل الذات والموضوع ويؤكد لينين بأن الناقد الأدبي لا ينبغي عليه أن يدرس العمل الفني مستهدفاً عزل طبيعته (الموضوعية) وإفرازها في جانب، بل ينبغي عليه أن يستهدف فهم ما يعنيه في سياق معين وهو سياق يتعلق بكيفية أن تستوعب العمل فئة معينة من الناس تنتمي إلى مجتمع معين في زمن محدد متذكراً دائماً إن الإنسان هو في وجوهه"يتضمن تأثير التجربة الاجتماعية في سريان الزمان- لقد فندت [اللينينية] جميع المفاهيم الذاتية التي تعمل ،على إبعاد الأدب والفن عن مجالات النشاط الواعي للإنسان ،والتي تضع الوعي في معارضة الخلق مستنتجة إن النتاج الفني أو الأدبي إرادة الفنان ومدعيه إن المثال الفني ليس سوى رمز أو علامة تحددت خارج الواقع... إن مثل هذه المفاهيم والتي عملت اللينينية بنجاح على تفنيدها وتبيان خلفيتها هي ما يعمل له دعاة علم الجمال المثالي محاولين التدليل على عدم تناسق وضع المشكلة- أي مقابلة النتاج الإبداعي بحقيقة الحياة مرددين مفاهيم النسبية المطلقة ((أي القوة العظيمة للابتعاد عن الواقع)). لقد وعى لينين مختلف خصائص ميادين النشاط الإنساني وكشف وفند النقد الرجعي والجوهر غير العلمي لوجهات النظر لعلم الجمالي المثالية وكشف عن ديالكتيك الثقافة الروحية القومية. والأممية.. والديالكتيك الطبقي للفن. وهو بتحليله العميق لهذه التناقضات في عملية تطور الفن في العالم الرأسمالي قد دلل على ارتباط الفن والعلم بالعلاقات الاجتماعية كاشفاً جوهر شتى المناورات الرجعية في هذا المجال وان كل فعل إنساني يمتلك بنية وظيفية.. أو بنية ذات دلالة ودراسة تلك الأفعال تستتبع من جهة تحليلاً داخلياً يستهدف فهم الفعل بالكشف عن بنيته الجوهرية الباطنة وما يلحق بذلك من الدلالة الكامنة للعناصر المتباينة الداخلة في علاقة معطاة ومن جهة أخرى يستتبع تحليلاً خارجياً يستهدف شرح الفعل بواسطة إدراج تلك البنية- باعتبارها عنصراً وظيفياً- في بنية أخرى أكبر- ومن هذه الزاوية أراد لينين اشراك الأديب والفنان بعملية البناء الاجتماعي والنهوض بالواقع متواصلاً من اجل- حزبية وتحيز الأدب والفن كاشفاً قوانين التطور الحتمية للمجتمع الجديد الذي أراد بناءه وفق اس ثقافي ومعرفي وتحديد طريق التكوين الفني للثقافة الشيوعية- كذلك وكي لا أنأى بعيداً عن موضوعة المقال- فان الينينية. وضمن فلسفتها الشمولية ومداخلاتها النقدية للأدب والفن قد ناقشت الهوية التاريخية لأدبية النص بوصفها تحقيقاًُ للشمول والكلية. فالعمل الأدبي لا يستطيع الوصول إلى الكلية والشمول على وجه التحديد إلا بمقدار ما ينجح في الاحاطة بالسمات النوعية لتجربة واقعية في الزمان.. والمكان باعتبارها لحظات ذات دلالة في التطور الاجتماعي والتاريخي المستمر. والممارسة الاجتماعية هي التي تمكننا من توحيد تصوري الهوية الفردية والشمول لنقول إن الاستجابة لعمل أدبي متفردة ومتفتحة اجتماعيا في الوقت نفسه بغير وقوع في تناقض منطقي. إن هذه المساهمات القيمة كانت الأرضية الصلدة التي انطلقت منها- اللينينية كمرحلة حتمية بالغة الأهمية لتطور الفكر العلمي في مجالات التطبيق. لتقديم-[رؤية خاصة لمواجهة النص الإبداعي] ولاسيما إن النص الأدبي بتشاكله الثنائي يقتضي من الناقد أستبصاراً إنسانياً وفنياً فالتراث اللينيني يقدم إمكانيات كبيرة لأولئك الذين يبحثون عن الحقيقة.. ويساعدهم على اكتشاف الطريق الصحيح للحياة والفن.