أخذت القصة في الستينيات مساحة مكانية وزمنية واسعة . لذا يجب تقييمها بعدتلك السنين التي مرت , وفق سياقها التاريخي والفني , لتصبح عالماً جديداً ينظر اليه وفق الإبداعية المنتجة آنذاك . ومن ثم إحالتها إلى زمن آخر منظور في السنين اللاحقة . لذلك فان تقييم تجربة القصة القصيرة في الستينيات في بعديها الأدبي والفكري , هو استنباط القيمة الفعلية منها , باستخدام المعيار الكلي لتلك القيمة التي تمكن الدارس والناقد والقارئ من دراستها حسب المنهجية الخاصة به.
يمكن كشف بعض السمات والملامح العامة لتلك التجربة. وإعادة إثارتها بدافع الحنين الأدبي الذي يحمله القاص الذي عاش فترة ظهورها وماجاء بعدها من تجارب إبداعية أخرى تؤكد إن قصة الستينيات هي الأبدع في تاريخ العراق الأدبي, لكونها تحمل نزعة فنية متمردة ومتميزة. وبالرغم من أن هذه الرؤية ليست بعيدة ومنفصلة عما جاء قبلها وبعدها من نتاج يحمل الكثير من ميزات الإبداع. فأنها تفردت لكونها ظهرت في سنين ممتلئة بالأحداث الحادة في نـتائجها. ووقفت بإصرار على ارض فنية تتسم بالتجريب, والإحساس بالغربة في مرحلة صعبة من تاريخ القصة العراقية. حيث تمكنت من نقل التجربة الخمسينية إليها. وتجاوزت فضاءها الأقل حدة من مرحلة ولادتها. واستمرت متمسكة بثوابتها الجديدة, ومواجهة الانكسارات المريرة التي تمثلت بالرجات النفسية داخل الفرد والمجتمع.
لقد كان طموحها كبيراً وعميق, لذا فأن منبرها الخاص في التعبير, هو إزالة هذا الخلل الصعب وتحويل واقعها إلى قدرة تمكنها من الأحاطه بمكوناته, وخلق عالم مضاد لماضيه.
استمر القاص بإثارة شخوصه الذين كانوا يحملون التناقضات التي تعبر عن ايجابية وسلبية أفعالهم, فهم الحالمون بردم ماتركه الواقع السياسي والفكري فيهم إزالة تلك الخنادق والحواجز التي تعيق قدراتهم المكبوتة وكينونتهم المغيبة.
كان الكثير من كتابها يحملون النزعات الحساسة المفرطة نتيجة قراءاتهم المتعددة والمتنوعة المصادر, التي تتفق مع أفكارهم متطلعين و طامحين لتحقيق النص الأدبي المعبر عن دواخلهم.
ولغرض تحقيق مشاريعهم, فقد تجمعوا في إطار أدبي واحد. فأصدروا الكثير من المجموعات القصصية والروائية. وكتبوا الكثير في مساحات الصحف وأعمدتها. وبالرغم من ظروف النشر الصعبة, وقلة المسموح لهم بنشره. فقد أصدروا بعض المجلات وعملوا محررين فيها. حيث كان العمل الصحفي مرافقاً دائماً للعمل الأدبي. وأنتجت تلك العلاقة نصوصاً أثرت في بعضها بالإضافة الى الجلسات الودية وحيوية الحوار والنقاش الساخن فيها. وتلك مرحلة أنتجت وثبتت تاريخها كي لا ينساها الزمن.
وبسبب تلك الظواهر والأحداث التي مرت بالعراق. فان الأديب حاول تنظيرها وتحليلها. وما استمراره في الكتابة الا موازنة قلقة تحتم عليه فهم نفسه وواقعه الذي حاول إزاحته, ومساهمته في حرارة الأحداث كي يتجاوز تراكمات واقعه الاجتماعية والسياسية. وبسبب كل ذلك ظلت القصة الستينية متغربة في ذاتها. وراح القاص يتحدث عن وهم أية حقيقة تستقر في داخله, وعن اغترابه وسريالية أحلامه, وبطلان موروثه, والانكسارات الحادة في بنى واقعه وذاته.
كان مختنقا. يحاول كسر القشرة الصلبة التي تحيط به, كي يظهر صورة البطل المتخيل في داخله, باعتباره البديل الثابت لـما كان يفكــر بـه ويكـتبه.
ولكي يطهر ذاته مما علق بها. فان عليه خلق صورة النموذج المتخيل, ونقلها وإسقاطها على الشخصية الفاعلة في قصصه. ومزجهما معاً لتظهر الشخصية الأكثر وعياً التي ترى عذابها في ذاتها, والحاملة كل صفات البطل المرتقب الذي يستخدم معاناته المضادة لكل مضاد له كي ينتج الصورة الشبيهة لــه. فهي في حركة مستمرة لا وقت لها لتتأمل ماضيها وأسباب الفواجع التي واجهتها.
وما علاقاتها بالآخرين الا محض وهـم خلقته لكي تواجه به صعوبة الظروف التي تحيا ضمنها. هذه الشخصية تبدو وكأنها تقاتل نفسها, مستندة على قوة ذاتية, وخيال عميق الرؤى.
فهي تضع أفكارها وانفعالاتها بديلاً لفقدان الرؤية الواقعية, مقابل واقع مرتج مفكك
بينه وبين النموذج البطل, الذي يصنع العالم من ذاته, ويختار الصعب من ظواهر الحياة. وهو الذي يواجه دائماً واقعاً مريراً يضغط عليه بشدة, وان فشل في مواجهته فانه يحقق انتصاره عليه في خياله.
وهكذا فالبطل (الصورة) بات مسلوباً ومغتربا, وإرادته واهنة, ولا ايجابية له في أي شيء يفعله .لغياب البطل الحقيقي امتداد منطقي لغيابه داخل القصة لان فترة الستينيات كانت تتعكز على جراحاتها. والمجتمع يبدو أمام الكاتب سطحاً ساكناً لا إلتماعً عليه. حيث يخلق واقعاً آخراً يحمل ميزة الإبداع.
إن حكمنا على ظهور الغموض في القصة. جاء نتيجة لعمق الوعي الذي تملكه ويقظة المكبوت في لا وعيها. فالغموض فيها ليس مضببا بل عتمة نفذ منها بياض ما بقي من وميض في الذهن. لان القاص استخدم الأسلوب الذي تكتب به المشا عر المباشرة وردة أفعال المنسيات في الذاكرة.
بعض النقاد يرى أن حضور المؤلف في النص هو هروب نحو مثل لا تتحقق وهروب يتجاوز به واقعه. ولكي يتخلص من أزماته فانه يميل الى السرد الغنائي
تعبيراً عن فورة انفعالاته. في الوقت الذي يبحث فيه عن أوسع مجال لحريته ورؤاه.
وبقدر ماكان يتحاشى حصر تلك الرؤى في فرديته. فانه رأى في التاريخ عنصراً يغني القصة ويستحضره فيها. فهي تستقي من الخيال طاقتها من دون إفراط عند استخدامها المنولوج الداخلي. حيث يصبح الإحساس كلاماً غير مسموع يتحول الى صور مرئية صامتة تحاور بعضها وتثيرها باستمرار.
إن القصة محكومة دائماً بترتيب الواقع, ومسؤوليتها تجاه النتاج الأدبي. فأثناء الكتابة يتجسد هذان الشرطان في العمل المبدع, لكونه يحمل خصوصية الخالق وموضوعية الواقع, ومدلولات كل منهما, ومن ثم انتقالهما الى المتلقي.
قد يبدو ضعف القصة ظاهراً في الشخوص المصورة فيها, ومحبطة في أقصى حالاتها, فهي تسعى لتوحيد علاقاتها مع الخارج أو تظهر نفسها متفردة في أفكارها.
لكنها بفعلها هذا تظهر النتائج قبل الفعل .هي غائرة في همومها, وصاخبة في تصرفاتها, وسلوكها فالإبهام والغموض يضعانها في غربة وتيه أمام الواقع وهي لا تكشف قدراتها الكامنة فيها وان فعلها اقل تأثيراً في القارئ الذي لا يحمل رؤية صحيحة عنها. فهو يراها منغمسة في الذات دون إدراكه أنها كانت تعبيراً عن الوعي المتسارع فيها. وان مرتكزها الرئيسي هي عمليات الذهن, وليست تشابكات الحياة.
فالبطل في معظم النصوص موزعاً في ذوات كثيرة, عازلاً نفسه عنها كي يؤكد حقائقه الخاصة به. إننا نطلب من القصة بساطتها وعمقها. فهي ليست مجبرة على التلاؤم مع أفكارنا. فهي تطرح الأسئلة الكثيرة علينا ولا نملك الا القليل من الأجوبة لها. لان هناك ا لا ختلافات في الرؤية وفي قيمة الافكارالتي نحملها وفي طريقة تعبيرنا عن أنفسنا. وكذلك الطبيعة الخاصة لكل منا حينما يتم تقييم ما تحتويه وجوهر انطباعاتنا عنها. إننا نختلف معها حتى في الزمن الذي تخلقه أفعالها.
إن القاص يلجا دائماً الى الاختفاء في الكلمة أو يتوارى خلف مايشاكلها وبما تشير إليه أو تعنيه.
والمبدعون جميعا يدركون أن ثمة أشياء كثيرة ترافقهم. وان أخرى تتهدم في أعماقهم .وان ما يشعرون به يمثل هروباً ليس مكانياً بل هروباً من زمن واقع ضاغط. ولكي يفلت القاص من أسره. فبمقدرته تحويل ذلك الأسر الى صور قصصية قد تقنع القارئ أو توقعه في الوهم. لذا فان هروبه من عالمه هو أمل يتوالد على الدوام من زمنه. ويتغير ذاتيا في كل لحظة يحياها في كونه الكبي .
ظلت القصة ترافق الحياة لأنهما تجهدان معاً لبلوغ الذروة التي يتطلبها الإبداع.
إن القاص كان يفكر بالنموذج المثقف. لا بالنموذج الفاعل, فالأول يتصف بحدة انفعالاته, وإحساسه المستمر بالغربة, وإفراطه في متعة التجريب الذي ملأته الاستعارات والصور الشعرية والمجازات بإشكالها المتنوعة السائبة. ولذلك اعتبر التجديد امتداداً مطلقاً للتغريب. شاعراً بثبات الموقف العام تجاهه وتجاه ما يفكربه. وشـكّــل ذلك جحوداً مستمراً لنتاجه, لكنه وجد في التجريب الأعمق والمدرك له.
لان الإثارة النفسية تمنحه المتعة والفضاء المفتوح للاكتشاف. وحافزاً للاستمرار في الكتابة.
كان هناك اثر لغياب النقد الأدبي ساعد في ظهور الكتابات الغير ناضجة. وعلى أساس هذا, فان تلك المرحلة الأدبية تميزت بمبدع نتاجها. ولو توفر النقد الموضوعي لها, لتم اعتبارها تجربة ثرية تحمل من سمات الحداثة الكثير, وعلامة مضيئة في تاريخ القصة العراقية, بالجهود الفردية التي امتلكت وبجرأة مشروعية المساهمة الفاعلة في التأثير على الحياة.
ظل النقد غائباً ومتمسكاً بنظرته الخاصة, وممارسته الأبوية المعتادة على النصوص. مما اضعف دوره في رصد ودراسة تلك الظاهرة القصصية الفريدة.
لقد كانت تلك الفترة مشحونة بأوجاعها, ومنها كانت تسعى للوصول الى أحلامها, وإحداث رجة في واقعها, هدفها كان فتح الجروح المغطاة بالحج, وتنقية الداخل والخارج كي يضيئا معاً, ويزيلا تركات الخيبات السياسية, وإرث الأوضاع النائمة في الكهوف, والخفايا التي ظلت تمزق الجسد والضمير .
كان القاص يفكر. والناقد بقي حذراً من التجربة الجديدة, واستمر هذا الانقطاع بينهما, حيث ظلت تلك التجربة تحمل حنيناً لتلك السنين التي رافقتها. حنيناً مختلطاً بالألم والعتاب.
وبقدر ماكانت أحلام المبدعين صغيرة, كانت همومهم تكبر, واستمرت اللغة التي يكتبون بها مشحونة دائماً بتلك الإشارات التي يستقبلونها بأفكارهم والتي تنطلق من دواخلهم, كي يفهموا العالم الذي يحيط بهم, منصتين للتناغم الجميل بين لغة المكبوت فيهم ولغةالوعي بالأشياء.
إنهم يكتبون لكي يظلوا أحياء, لا تثقل ضمائرهم الخطايا. فهم يبحثون دوماً عن قيمة الزمن, وصدق الكلمة, حذرون من الفخاخ التي تصطادهم من الوراء.
أحلامهم هي حقائقهم, هاجس واحد يقلقهم: الموت الذي قد يأتي مبكرا, ولم يكملوا بعد ما بداوه.
الآن هل يمكن دراسة تلك التجربة, ومدلولات ظهورها من قبل النقد, ام تبقى حنيناً
في داخل كل من ساهم في خلق تجربة ماضية يستذكرها الحاضر دائماً؟.
آمل أن ذلك ليس بعيدا.
لكن السؤال الكبير هو: هـل أن جــيلاً جديداً سيظهــر شــبيهاً بالذي قـد ظهر؟!.