اطبع هذه الصفحة

 

 

في مسرح الطفل

عزيز جبر يوسف

(1)

لقد وضع الأجانب أسس وقواعد النشاط التمثيلي للطفل، ولايضيرنا ان نستفيد منها، مراعين قيم أمتنا، طالما ان أي اختراع او اكتشاف او أبداع لكل الإنسانية لتستفيد وتفيد، مثلما استفاد أجدادنا الصالحون من انجازات من سبقوهم، تحرص الامم على تربية أطفالها لانها تدرك اهمية تربيتهم من اجل المستقبل.. ومسرح الطفل نشاط تربوي غاية في الاهمية.. لذلك لم تغب عن بال المسلمين اهمية اللعب عند الطفل، وهم يولون الطفل جل عنايتهم منطلقين من مبادئ الاسلام التي رعت الطفل، لان الطفل الصالح هو اساس لمجتمع صالح. يقول ابو حامد الغزالي(1) "في بيان الطريق في رياضة الصبيان في اول نشؤوهم ووجه تأديبهم وتحسين اخلاقهم" وينبغي ان يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب ان يلعب لعباً جميلاً ليستريح اليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فأن منع الصبي من اللعب وأرهاقه الى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا ينمو الطفل ويتعلم باللعب، اللعب هو تربية للجسم والشخصية والذكاء. فما هي الصلة بين لعب الطفل والنشاط التمثيلي؟ نستأنس بما قاله (بيتر سليد) احد رواد نشاط الطفل التمثيلي في بريطانيا عن لعب الطفل لنؤكد الرباط المتين بين هذا النشاط واللعب فيقول: (اللعب هو طريقة الطفل في التفكير والتجربة والاسترخاء والعمل والتذكر والجرأة او الابداع والانهاك)(3)

. يسمى هذا النشاط في بريطانيا (CHILD DRAMA) ولا يعتبر النشاط التمثيلي دخيلا على حياة الطفل بل هو (شكل فني) قائم بذاته، انه ليس نشاطاً اخترعه شخص، ولكنه السلوك الحقيقي للناس.. ومن هنا تأتي أهمية الخطاب التعليمي في مهرجانات مسرح الطفل كونه يشكل اساسا قويا في المتعة والفائدة للذين يؤدونه، يؤكد علماء النفس ان اساليب النشاط التمثيلي فعالة في ترشيد العلاقات بين الاطفال وفي تعبيرهم عن مخاوفهم واحباطاتهم حينما يدعون انها لغيرهم، كما يساهم اشتراك الاطفال في النشاطات التمثيلية المختلفة في تحسين تكيفهم مع انفسهم ومع الآخرين. ويمكن للتعلم من خلال النشاط التمثيلي ان يكون اسلوبا لتعليم الموضوعات مثل التاريخ والعلوم واعتماد بعض الدروس المنتقاة من المناهج الدراسية التعليمية في اطار فني مسرحي مشوق وممتع يزاوج بين الغناء والرقص والكوميديا والمضامين التربوية وتمرير المادة العلمية بأنسيابية فمثلا مسرحية (عالم الفيتامين) وهي مسرحية اعتمدت بشكل كلي في التأليف على المادة العلمية لمقرر مادة (علم الاحياء) الانسان والصحة(3) "ينطوي النص اساسا على بناء فني يتسم بالشفافية في التعامل مع فكرة الصراع والنقائض كما يسمونها في نظم الفلسفة" فعلى الجانب الذي يلعب فيه المرض دوراً فتاكاً في حياة البشر فأن (الفيتامينات) يشكل الجانب الآخر من فكرة الصراع بوصفها المنقذ، مثل هذه المسرحية وغيرها التي يفترض ان تشكل لها معاييراً تقويمية للعناصر الاساسية لمسرح الاطفال تكون بمثابة أسس ومضامين الخطاب المسرحي الموجه للطفل، في كافة المهرجانات تتناول المخرجة الامريكية (وينفريد وارد)(4) في كتابها (مسرح الاطفال) العناصر الاساسية التي من خلالها يتم تحليل هذه المعايير بأختيار نماذج لمسرحيات عرضت للاطفال وهذه العناصر يمكن أيجازها بما يلي: (1)الموقف الدرامي (2)العقدة (3)التشويق (4)التطور الدرامي (5) الذروة (6) رسم الشخصيات (7)الحوار. تكاد تكون هذه العناصر على الرغم من وجودها في مسرح الكبار ايضا فأنها الارضية الصحيحة لمجمل العروض التي تتناول موضوع (مسرح الطفل) وكافة الموضوعات التربوية المختلفة في مجال العلاقات الاسرية والاجتماعية العامة والوطنية والصحية وغيرها، وطالما ان الفنون متعددة ومتنوعة فأن كلاً منها له اسلوبه في الخطاب لتحقيق تلك الاهداف في التربية والتعلم.. ولان مسرح الطفل حديثاً علينا ان نجد هنالك تفاوتاً واضحاً في الاعمال المسرحية المقدمة للطفل.. فمنها ما هو بسيط وسطحي ومنها ما هو قيم وذي بعد تربوي ونفسي كلاهما يشتركان بصفة الاخلاص العميق لمخاطبة جمهور الاطفال.

 (2)

على الرغم من ظهور عدد من الاعمال المسرحية للاطفال في اللغة العربية، فأن الحاجة لا تزال ماسة الى المزيد من الكتابات العلمية في هذا الميدان الذي يشهد منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين اهتماما عربيا على المستويات الشعبية والرسمية وعلى الرغم من هذا الاهتمام. لا زالت البحوث العلمية والدراسات الجادة حول مسرح الطفل وثقافته والخطاب التعليمي الموجه له قليلة مقارنة بغيرها من الدراسات والبحوث في المجالات التربوية والنفسية والادبية والاجتماعية... الخ وحيث ان مسرح الطفل يؤلف اداة قوية من ادوات تنشئة الطفولة التي يعرف الجميع بأنها عماد المستقبل لاي أمة او شعب من الشعوب، فأنه يجب على المؤسسات والهيئات الشعبية والرسمية وغيرها تشجيع عملية البحث العلمي الجاد والدراسات الهادفة في ميدان مسرح الطفل من أجل اثرائه لتعبيد طريق المستقبل امام الطفولة وتلبية حاجاتها التي تشبع رغباتها وتنمي فيها طاقات الابداع والتفكير والابتكار الذي يعود على المجتمع بالخير والتقدم والمعروف ان مثل هذه البحوث والدراسات قد بدأت منذ زمن بعيد في كثير من الدول المتقدمة التي وعت اهمية الطفولة وأهمية تلبية حاجاتها النفسية والثقافية من خلال الخطاب التعليمي، ولا تزال هذه البحوث والدراسات في الدول المتقدمة تلقي العناية والاهتمام والتشجيع خصوصاً على المستوى الرسمي للدولة، حيث تقام المهرجانات الادبية والمسرحية وتقدم العديد من الجوائز والمنح التي من شأنها تشجيع الباحثين والدارسين للاستمرار في عملية البحث وابتكار وايجاد الوسائل الكفيلة بايصال الوان الثقافة للاطفال والطرق التي يمكن للاطفال عن طريقها الرفع من مستوى تفكيرهم وفتح آفاق الابداع والابتكار لديهم منذ سنوات طفولتهم، يعتبر مسرح الاطفال وسيطاً ممتازاً من وسائط نقل الثقافة والادب الى الاطفال والمسرح(6) مثله مثل الوسائط الاخرى لادب الاطفال يحرك مشاعر الطفل وذهنه وعقله، ويغذي الاطفال فنيا وادبيا ووجدانياً والاطفال بأعتبارهم جمهورا يشكلون بعدا اساسياً من ابعاد العمل الدرامي (المسرحي). والمسرح يريهم الحوادث امامهم، في اماكنها باشخاصها بالاضافة الى مناظره المسرحية واضاءاته الساحرة التي تتعاون جميعا على نقل الطفل الى العالم الذي يسعده ان يراه. ويشكل مسرح الطفل احد الادوات المهمة في ثقافة الطفل(7) فهو ينقل للاطفال –بلغة محببة- نثرا او شعرا- وبتمثيل بارع، والقاء رائع للافكار والمفاهيم والقيم ضمن أطر فنية حافلة بالموسيقى والغناء والرقص). (المسرح): كلمة يقصد فيها القصة الشخصية بينما نعني بكلمة (دراما) الفعل او العمل.. ويقوم العمل المسرحي على ثلاثة اسس يتوحد فيها الزمان والمكان والفعل، وعناصر المسرحية محددةبموضوعها وكيفية عرض ذلك الموضوع. والموقف منه، وايجاد حل له. والموقف كما يرى(زوندي) في كتابه نظرية الدراما الحديثة: (قمة العمل المسرحي) والدراما(8) (فن الجدل، علاقته الرئيسية تقوم على التجدد المستمر والمناقشة مع الآخرين انها الفعل الذي يقوم على التناقض الفكري والعاطفي من الغير غالبا). يقول (جان ماري) في كتابه (مسائل فلسفة الفن المعاصرة) بأن الجمال: (ادراك او فعل يوقظ فينا الحياة ضمن صور ثلاث هي: (الحساسية والعقل والارادة)(9) وفن المسرح يمتلك هذه الصور جميعا وهو فن نام ومتطور ومتفاعل من فنون العصر، لذلك تفاعل مع السينما والتلفزيون والفن التشكيلي وكان من قبل قد التقى بالقصة والشعر والحكاية وبالاساطير المغرقة في القدم وقد استثمرها فن المسرح وراح يشكل مادة عروضه منها، ومع ان وسائل واجهزة الاعلام باتت تهدد فن المسرح، ظل المسرح نشاطاً انسانياً فعالا تلتقي فيه اعمق الافكار الفلسفية لذلك لم يفقد مكانته وانما راح ينوع ويحدد اساليبه، ويكتسب صيغاً مبتكرة للمخاطبة بقصد التأثير وتحقيق المتعة والفائدة من خلال خطابه التعليمي.

ـــــــــــــــــــــــــ

 1-ملص، محمد بسام، الموسوعة الصغيرة، النشاط التمثيلي للطفل، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق- بغداد. 2-نفس المصدر. 3-جبر، يوسف رشيد، الفنون ومستقبل الخطاب التعليمي، مؤتمر الطفل الثاني. وزارة الثقافة، دائرة السينما والمسرح، الفرقة الوطنية لمسرح الطفل لسنة 2006. 4-وارد، ونيفريد، مسرح الاطفال، ترجمة شاهين الجوهري، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة 1966. 5-دياب، مفتاح محمد، مقدمة في ادب الاطفال، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والاعلان طرابلس –ليبيا- الطبعة الاولى السنة 1985 ص82. 6-الهيتي، هادي نعمان، ادب الاطفال، فلسفته فنونه. وسائله، بغداد- وزارة الاعلام 1977. 7-يحيى، حسب الله، مقدمة في مسرح الاطفال ص 304، الطبعة الاولى سنة 1985 دار ثقافة الاطفال- بغداد. 8-