اطبع هذه الصفحة

 

 

المزار ..قصة

رحيم الحلي

عند حافة البستان ، وخلف أشجار السرو العالية التي تراصفت كأنها سياج اخضر ، كانت هناك قبة طُلِّيتْ  بلونٍ  أخضر تآكلت ألوانه  ،  ومحى الزمن  كثيراً  من  أجزائه ،  فبدتْ  تلك  الأجزاء المتأكلة قد اصطبغت بلون الصدأ ، تربعت  تلك  القبة  على  جدران  كلسية  اللون  تقشرت  صبغتها  فتكشفت  حجارتها  الطينية التي  أظهرت  زمن  بنائها  القديم  ، والذي بدا  وكأنه  يعود  لعدة  قرون مضت  ،  كان  المكان  خاليا  من  البشر   موحشا ، لو لا زقزقة العصافيرالتي كانت تطير أسرابا فوق الشجر، محدثة ضجيجا حلواً ،  وكأن  عراكا  حدث  بينها  وتهاوت  مجاميع  منها  فوق  الأرض .

 تسمر عند باب المزار ، كان بابا خشبيا  قديما جدا ،  دهن باللون الأخضر، إحدى درفاته فُتحت حتى المنتصف ، نُقِشَ اسم صاحب المزار وبانيه على حجر مستطيل ، رُكِّب أعلى الباب ، انه لأبي موسى الأشعري الذي رحل في القرن الهجري الأول ، دخل المزار وجلس عند  قبر صاحبه مستذكراً  تلك المعركة  التي حصلت  بين المسلمين ، ومات فيها كثير من البشر ، هل هذه الأرض ، وجراً للحروب ، لماذا لم تنعم بالسلام ، اخرج زوادته الصغيرة ، كانت قطع من البقدونس ، وهو باذنجان محشو بالجوز أو الفستق ، غُطٍس بزيت الزيتون ،وبعد إن هدأ جوعه ، اخرج قنينة الماء التي ملأها من المضخة التي توقف عندها وغطَّسَُّ رأسه تحت ماءها المتدفق ،امتص قليلا من الماء ، كي يزيل غصته ،ثم اخذ نفسا عميقا وزفيرا ، وراح يقرأ قصيدة وتريات ليلية لشاعره الاثير مظفر النواب ، وحين أكمل قراءتها ، اخرج الديوان الكامل للشاعر بدر شاكر السياب ، وقرا قصيدة حفار القبور ،بدا مثل أولئك الذين يقرأون الادعية فوق قبور الاموات  ، لازال الوقت عصرا ، لا حركة حول المكان سوى قط اسود دخل بفضول وجلس قريبا منه ، يرمقه بنظرة شحاذ جائع ، يسأل عن طعام ، ألقى إليه قطعة صغيرة من الخبز مدهونة بالزيت ، راح يقضم أطرافها بنهم ، يبدو جائعا ، أو يبدو  انه  لم  يذق طعم  الخبز  منذ فترة  ،  لاشك  إن  العصافير  لن تنجو من مخالبه وهجماته  المفاجئة ، وهو ينقض عليها  من  بين الأغصان ، ناصبا لها الفخاخ ، لكنه لا ينسى إن يتطفل على زوار هذا المزار القلائل ، فالشيخ النائم في هذا القبر ، كان موضع خلاف واختلف عليه المسلمون ،وأصبح منبوذا ساكنا إلى الأبد في هذا  الطرف النائي من هذه الغابة ، المكتظة بأشجار السرو  والمشمش والجوز  والرمان .

لماذا أحَبَ إن يزور هذا الشيخ المنبوذ  ، ربما لأنه لا يحاول التقليد  ويَحبُ إن يفهم سر الأشياء ، ويسعى للوصول إلى حقيقة الأحداث ،  غير معتمد على ما ينقله الرواة في تاريخٍٍِ كتبه الحاكمون وأصحاب المصالح والغايات ، فهو يجهد عقله في البحث ويسعى إن لايكون تقليديا ، ولايحب القول المأثور هكذا وجدنا آباؤنا الأولين .

اخرج  عودا من البخور  وأشعله ، وأشعل شمعة صغيرة ، فوق  رفٍ  حُفِر  على شكل بيضاوي في الجدار الطيني السميك ، وُضِعَ في إحدى زواياه ، مصحف صغير ، وكانت هناك أثار لشموع احترقت ، تاركة أثارها  ،  بقع كبيرة  من الشمع ، اسودت  بعض أطرافه ، فغرز عود البخور  في إحدى  هذه  البقع الشمعية ،  أضاءت  تلك  الرازونة ، وعبقت  فيها  رائحة البخور التي اشتراها من احد الدكاكين  في السيدة زينب .

غطت البُسط الصوفية السميكة ارض المزار الصغيرة ، نَسَجَتْ تلك البسط أيادي النساء ،ربما من واحدة انتظرت خطيباً بعد طول انتظار ، أو أخرى تمنت إن يعود لها زوجها الغادر ، قصص كثيرة هي قصص النساء وعذاباتهن ، في عالم شرقي  تحكمه الذكور  ، أخَذَََََُّتْه إغفاءه كان يتجنبها فهو يريد إن يعود قبل إن يدلهم الغروب ، لكن طبقة الصوف النابتة فوق البسط ، مثل الثيل الأخضر الناعم ، كانت بمثابة  مُنوم  مغناطيسي ، ساعدها  تعب  المسير  الطويل في  هذا  النهار الصيفي ، لقد غشيه المساء وعم الظلام في هذا المزار المنعزل وسط هذا البستان المخيف  ،  سمع  صوتا يناديه قائلا يابني  ستبقى  غريبا  مثلي  ،  لا تعود إلى ارضٍ لم تحتملك ، أبقى هائما في الغربة ، فالذل في الغربة  أهون  منه  في  الوطن ، أرضك  أمست خرابا منذ إن وطئتها اقدام الاجلاف  ، أرضك يابني تتزلزل كثيرا  ، ابتلعت قديسين كثيرين ، نهض خائفا أراد الخروج ، تلمس دربه بصعوبة بالغة ، مد يده بسرعة نحو الباب ، كان الباب مغلقا والظلام الدامس قد غطى كل شيء.