عند حافة البستان ، وخلف
أشجار السرو العالية التي تراصفت كأنها سياج اخضر ، كانت هناك قبة طُلِّيتْ
بلونٍ أخضر تآكلت ألوانه ، ومحى الزمن كثيراً من أجزائه ، فبدتْ تلك
الأجزاء المتأكلة قد اصطبغت بلون الصدأ ، تربعت تلك القبة على جدران كلسية
اللون تقشرت صبغتها فتكشفت حجارتها الطينية التي أظهرت زمن بنائها
القديم ، والذي بدا وكأنه يعود لعدة قرون مضت ، كان المكان خاليا من
البشر موحشا ، لو لا زقزقة العصافيرالتي كانت تطير أسرابا فوق الشجر، محدثة
ضجيجا حلواً ، وكأن عراكا حدث بينها وتهاوت مجاميع منها فوق الأرض .
تسمر عند باب المزار ، كان
بابا خشبيا قديما جدا ، دهن باللون الأخضر، إحدى درفاته فُتحت حتى المنتصف ،
نُقِشَ اسم صاحب المزار وبانيه على حجر مستطيل ، رُكِّب أعلى الباب ، انه لأبي
موسى الأشعري الذي رحل في القرن الهجري الأول ، دخل المزار وجلس عند قبر صاحبه
مستذكراً تلك المعركة التي حصلت بين المسلمين ، ومات فيها كثير من البشر ، هل
هذه الأرض ، وجراً للحروب ، لماذا لم تنعم بالسلام ، اخرج زوادته الصغيرة ، كانت
قطع من البقدونس ، وهو باذنجان محشو بالجوز أو الفستق ، غُطٍس بزيت الزيتون ،وبعد
إن هدأ جوعه ، اخرج قنينة الماء التي ملأها من المضخة التي توقف عندها وغطَّسَُّ
رأسه تحت ماءها المتدفق ،امتص قليلا من الماء ، كي يزيل غصته ،ثم اخذ نفسا عميقا
وزفيرا ، وراح يقرأ قصيدة وتريات ليلية لشاعره الاثير مظفر النواب ، وحين أكمل
قراءتها ، اخرج الديوان الكامل للشاعر بدر شاكر السياب ، وقرا قصيدة حفار القبور
،بدا مثل أولئك الذين يقرأون الادعية فوق قبور الاموات ، لازال الوقت عصرا ، لا
حركة حول المكان سوى قط اسود دخل بفضول وجلس قريبا منه ، يرمقه بنظرة شحاذ جائع ،
يسأل عن طعام ، ألقى إليه قطعة صغيرة من الخبز مدهونة بالزيت ، راح يقضم أطرافها
بنهم ، يبدو جائعا ، أو يبدو انه لم يذق طعم الخبز منذ فترة ، لاشك إن
العصافير لن تنجو من مخالبه وهجماته المفاجئة ، وهو ينقض عليها من بين
الأغصان ، ناصبا لها الفخاخ ، لكنه لا ينسى إن يتطفل على زوار هذا المزار القلائل
، فالشيخ النائم في هذا القبر ، كان موضع خلاف واختلف عليه المسلمون ،وأصبح
منبوذا ساكنا إلى الأبد في هذا الطرف النائي من هذه الغابة ، المكتظة بأشجار
السرو والمشمش والجوز والرمان .
لماذا أحَبَ إن يزور هذا
الشيخ المنبوذ ، ربما لأنه لا يحاول التقليد ويَحبُ إن يفهم سر الأشياء ، ويسعى
للوصول إلى حقيقة الأحداث ، غير معتمد على ما ينقله الرواة في تاريخٍٍِ كتبه
الحاكمون وأصحاب المصالح والغايات ، فهو يجهد عقله في البحث ويسعى إن لايكون
تقليديا ، ولايحب القول المأثور هكذا وجدنا آباؤنا الأولين .
اخرج عودا من البخور وأشعله
، وأشعل شمعة صغيرة ، فوق رفٍ حُفِر على شكل بيضاوي في الجدار الطيني السميك ،
وُضِعَ في إحدى زواياه ، مصحف صغير ، وكانت هناك أثار لشموع احترقت ، تاركة
أثارها ، بقع كبيرة من الشمع ، اسودت بعض أطرافه ، فغرز عود البخور في إحدى
هذه البقع الشمعية ، أضاءت تلك الرازونة ، وعبقت فيها رائحة البخور التي
اشتراها من احد الدكاكين في السيدة زينب .
غطت البُسط الصوفية السميكة
ارض المزار الصغيرة ، نَسَجَتْ تلك البسط أيادي النساء ،ربما من واحدة انتظرت
خطيباً بعد طول انتظار ، أو أخرى تمنت إن يعود لها زوجها الغادر ، قصص كثيرة هي
قصص النساء وعذاباتهن ، في عالم شرقي تحكمه الذكور ، أخَذَََََُّتْه إغفاءه كان
يتجنبها فهو يريد إن يعود قبل إن يدلهم الغروب ، لكن طبقة الصوف النابتة فوق
البسط ، مثل الثيل الأخضر الناعم ، كانت بمثابة مُنوم مغناطيسي ، ساعدها تعب
المسير الطويل في هذا النهار الصيفي ، لقد غشيه المساء وعم الظلام في هذا
المزار المنعزل وسط هذا البستان المخيف ، سمع صوتا يناديه قائلا يابني ستبقى
غريبا مثلي ، لا تعود إلى ارضٍ لم تحتملك ، أبقى هائما في الغربة ، فالذل في
الغربة أهون منه في الوطن ، أرضك أمست خرابا منذ إن وطئتها اقدام الاجلاف ،
أرضك يابني تتزلزل كثيرا ، ابتلعت قديسين كثيرين ، نهض خائفا أراد الخروج ، تلمس
دربه بصعوبة بالغة ، مد يده بسرعة نحو الباب ، كان الباب مغلقا والظلام الدامس قد
غطى كل شيء.