الفنان كمال السيد ولد
أواسط الأربعينات في مدينة الناصرية ، هذه المدينة الفراتية الحلوة ، التي
اعتادت الفقر والحرمان والإهمال ، قدمت الكثير في
مجال الثقافة والسياسة ، وتأسس فيها واحد من أهم القوى السياسية الثورية ، الحزب
الشيوعي العراقي ، وفي مجال الفن قدمت أعظم المواهب ، وكأن الفن سجل لها ، حيث
قدمت ابرز معالمه ، جبار ونيسة ، حضيري أبو عزيز ، داخل حسن ، ستار جبار ،
الشهيد صباح السهل ، حسين نعمة ، طالب القرغولي .
قدم كمال السيد لحنه الأول
إلى الإذاعة العراقية ، بعد إن أضناه التعب في البحث عن الصوت الذي أعجبه ،
واختاره بذكاء لأداء أغنيته الأولى المكَير، هذا الصوت الذي سمعه في كاسيت غنائي
شعبي في اغنية الهدل وأعجبه صوت صاحبه ، وعرف انه من مدينة النجف المشرفة ، انه
المطرب ياس خضر ، فأطلقه إلى عالم الإذاعة عالم الشهرة الواسعة ، الأغنية من
كلمات الشاعر المبدع زامل سعيد فتاح .
قدم للفنانة الكبيرة أنوار
عبد الوهاب ، ابنة الشهيد عبد الجبار وهبي أبو سعيد ،الذي قتله مجرمو انقلاب
شباط الأسود ، اغنية كصة المودة ، وللفنان الرائع قحطان العطار سلمت وانته
مارديت السلام، وللفنان الكبير حسين نعمة كون السلف ينشال وأغنية البلام ،و
الفنان الكبير فاضل عواد ياريحان ، ولسعدون جابر يا أهيف الطول،وحميد منصور اغنية
الشموع ، وأطلق الفنان سامي كمال في اغنية مدللين وأغنية رايح وين يويلي يابوية ،
والمطرب عارف محسن حبنة حبيبي لو لاه مع أديبة ، والمطرب الشهيد صباح السهل في
اغنية العشك مو بالشكل واللون والفنان صباح السهل أعدمته سلطات صدام .
إما لحن مابدلك والنبي الذي
غناه المطرب سعدي الحلي فقد وضعه الفنان كمال السيد لأحدى أغاني اوبريت ياهيل ،
إما الكلمات فهي للشاعر الشعبي الحلي محمد علي القصاب.
وفي دمشق الحبيبة ، غنى كمال
السيد للعراق وكانت رائعته سعود للشاعر العظيم مظفر النواب ، وأغنية ويهة يهلنة
واحنه منهه وبيهه ، وياشعبي دمي إلك للشاعر العراقي كريم العراقي ، وذهب فكر
الشغيلة ، مفروض الواحد للشاعر الثوري المصري نجيب سرور ، وغنى لفلسطين المظلومة
اغنية يمه ياويل الهوى حكم الخناجر ولة حكم النذل بية لمحمود درويش ، هذه
الأغنية التي تصور الظالمين وقسوتهم وضياع الأحلام ، حين تقول كلمات الأغنية خسرت
حلما جميلا خسرت نفح الزنابق ، لقد تعود كفي على سياج الحدائق.
وللشاعر هاشم شفيق غنى استمد
الشجاعة منك ومنك العزيمة تأتي اليَّ على شكل طير يتوجني ويشد يشد يدي ، هذه
الأغاني التي كنا نؤديها والدموع تنهمر رغماً عنا حين نتذكر أحبتنا في سجون
الطاغية ، أو نتذكر أصدقائنا في خطوط القتال في الحرب مع الجارة ايران ، ثم سافر
إلى ليبيا مع الشاعر العظيم مظفر النواب ، وبعد عودته من ليبيا هاجر إلى
الدانمارك ، وهناك تعاون مع الفنان الكبير قحطان العطار ، وغنى قحطان العطار
بصوته الذهبي بعض من الحان كمال السيد ، واظهر جمالها وقيمتها الفنية ، وقدم بعض
من ألحانه إلى الفنان مرتضى العراقي .
الفنان كمال السيد بعد إن
انهى دراسته ، أصبح معلما في مادة الموسيقى ، وتعرفت عليه في مدينتي الحلة في
أواسط السبعينات ، عندما كان معلما في مدارسها في مادة الموسيقى ، وعن طريق
الأستاذ نهاد عبد الستار رشيد ، احد مثقفي الحلة المعروفين ، كان لقائي به في
الحلة عابرا لم ينطوي على ملامح تسجل للذكرى.
ثم تعرفت عليه في دمشق أوائل
الثمانينات ، عندما جاءها من عدن ، واستقر بها بضعة سنوات ، وأسس فيها فرقة
المنظمات الديمقراطية ، وكنت عضوا فيها ، ثم أسس مع الفنان كوكب حمزة ، فرقة
بابل ، وقدم كمال السيد موهبته الفنية لشعبه ، وانحاز للفقراء ، وناهض ديكتاتورية
صدام ، وقدم أهم أعماله الفنية السياسية في المنفى الذي اختاره ، وكان بمقدوره
إن يكون بوقا لصدام وغجره ، وان يغدقوا عليه الملايين من أموال شعبنا المنهوبة ،
مثلما فعلوا مع العديد من الفنانين الانتهازيين الذين باعوا ضمائرهم ، وملئوا
جيوبهم من أموال شعبنا البائس ، وغنوا ، وطبلوا ، وصفقوا للطاغية ومجدوا ظلمه
وطغيانه ومغامراته الطائشة ، وإفقاره وإبادته لشعبنا وتدمير إمكاناته.
تزوج الفنان كمال السيد من
السيدة الحلاوية الشهيدة سناء عثمان عبد السادة في أواسط السبعينات ، وأنجبت
ابنته البكر الحان ، التي قضت سنوات السجن مع أمها قبل إعدامها ، وله ابن اسماه
عراق من زوجته السورية التي تزوجها في أواسط الثمانينات.
ودعوة للحكومة العراقية
للاهتمام بتراث هذا الفنان وإنصافه ، بعد الإهمال المتعمد من قبل حكم الطاغية ،
أتمنى من الحكومة العراقية الحالية أن تقدر الفن و الأدب ، لأنها أهملت الأدباء
والفنانين ، فهي لم تعمل للجواهري العظيم شيئاً يذكر، وعلى الأقل لم تعمل له نصبا
تذكاريا في مدينته النجف ، ولا في بغداد العاصمة ومدينة دجلة التي كتب لها واحدة
من أجمل قصائده ، وأهملت الفنانين الإحياء فما بالك الراحلين ، إلا إن لهؤلاء من
أمثال كمال السيد حقا ، فهم ضحوا وتشردوا ، وكان بإمكانهم إن يعيشوا مترفين لو
باعوا أنفسهم مثل بعض الفنانين الانتهازيين ، وهم اليوم لن يحتاجوا من حطام
الدنيا شيء سوى إنصاف ذويهم ، وإظهار فنهم الذي عتمت عليه الديكتاتورية .
رحل كمال السيد في كوبنهاكن
عام 2001 بعيدا عن الناصرية وعن العراق الذي أحبه وغنى له ، في منفى المنافي وفي
مدن الثلج الباردة ، لكنها كانت دافئة في حنوها على المنفيين ، الذين شردتهم
أوطانهم التي يحكمها الجهلة ، والذين لم يحترموا فنهم أو إنسانيتهم ، وحقهم في
التفكير المختلف ،هؤلاءالفنانون لم يقبلوا إن يطبلوا أو يصفقوا للجهل والحماقة ،
أحبوا العراق ومدنه وأنهاره ، أحبوا الفن وأحبوا الجمال ، ونفروا من قبح التخلف
والجهل ، وفظاظة الجاهلين .
استاذي ابا الحان دعني احلم
قليلا ، كي تاتي إلى إحدى القاعات لنغني الأغنية التي غنيناها كثيرا ، بغداد ،
والتمعت عيناك لاجلها مرارا .
ويهة يهلنة واحنة منهة وبيهة
بغداد شمعة وماهوى يطفيهة
ويهة يهلنة وياشعبنة الصورة
متوزع بكل بيت بالمعمورة
بس ياضماير سود يا ماجورة
وبلادي مايغفة وغصن دم بيهة
* * * * * * *
واحنه فكرنة وياج يابغدادنة
واطفالنة يكولون صوتج صوتنا
يامحلا من اجل المبادىء موتنا
وبلادي ماتغفة وغصن دم بيهة