سعت المؤسسات الاعلامية
"الموجهة"؛ ذات الخطاب الفئوي بعد سقوط النظام؛ سعت جاهدة للهيمنة على مصطلح "الاخر"
والاستحواذ على فضاءاته وتحيّن الانقضاض عليه بطرائق متعددة. لامتلاكها منظومات
تضليلية متنوعة؛ تكفل تنفيذ آراء "الاخر" وتعمق الهوة معه لضمان تسويق افكارها؛
وتحقيق اهدافها الساعية لبسط نفوذها على الشارع السياسي، مبتعدة تماماً في
التعامل مع أي شكل من اشكال "الغيرية" مع زعم كل طرف منها، بانه يمثل المرجعية
الوحيدة للحقيقة المطلقة، اما "الاخر" فهو لا يعدو أن يكون الا: افّاكاً،
ومضللاً، وعدواً للحقيقة، وهذا الاسلوب دفع "الاخر" لابتكار انماط اكثر تطرفاً
وهمجية من الاول، ولم تتورع –بالتالي- الاطراف كافة من استخدام جميع الممكنات
المتاحة غير المقبولة اجتماعياً واخلاقياً لتحقيق غايات سياسية دون "الاخر".
إن "المشروع الوطني
الديمقراطي طريق للخلاص" والذي تبناه الحزب الشيوعي العراقي، واطلقه مجدداً في
مؤتمره الثامن، ودعى فيه الاطراف العراقية "داخل العملية السياسية وخارجها الى
تبنيه، باعتباره مشروعاً وطنياً ينطوي على مستويات ايجابية لابد من التعامل معه
بعقلانية وتروٍ؛ للاستفادة من محمولات معطياته الجدية؛ من اجل التصدي للمشكلات
التي تعصف بوطننا، والعمل على احداث نقلة نوعية في حياة مجتمعنا العراقي.
ويمثل موقفنا من "الاخر"
المستوى الاول لمشروعنا الوطني العراقي الديمقراطي، والذي هو مادة هذه المقالة.
اذ ليس من الحكمة ان يزعم طرف ما امتلاكه للحقيقة لوحده؛ "الاخر" فهو مجرد (....)
نحن نعتقد ان الجميع هم الذين يمتلكون الحقيقة الكلية، وإن مبدأ التناقض -على حسب
ماكوفلسكي- ما هو الا الوجه الآخر لمبدأ الهوية.
ولكي نخطو خطوة الى الامام،
ونشيع جواً يمهد لبعض من الاستقرار، لابد ان نتصف بالمرونة ونتوخى المقاربة بعد
ان بلغ التوتر ذروته، اما ان يقتصر توجهنا في موضوعات مثيرة للجدل؛ على رأي طرف
دون الاخر، فهذا غير صحيح تماماً، لان معياريتنا في التعامل مع مجريات الامور
تنطلق من مدى منطقيتها ومشروعيتها اولاً؛ وما تتركه من آثار ايجابية على مجمل
الوضع السياسي ثانياً، فالموضوع اذن ليس موضوع مباريات او تفاخر، ولا هو تلمس
عيوب او تفتيش عن المثالب، الموضوع يتعلق بحياة جميع المواطنين، وبه مستقبل
اطفالنا وسيادة وطننا.
ان المواقف الاحادية تعني
فيما تعنيه؛ تبني منهجية قاصرة؛ تتأطر عسفاً باشكال كلية؛ تتضمن في حيثياتها
ترويجاً لمشروع شمولي جديد والتبشير له، موظفة لذلك "فذلكات" انتقائية، تتمظهر
بالديمقراطية علانية وتناهضها وتعمل على تقويضها سراً وعلانية، من خلال تفتيت
الخطاب الوطني وتفكيك ثوابته، وهذا دفع بالمواطن البسيط بعد مصادرة الكثير من
تطلعاته الانسانية المشروعة الى الاصطفاف مع الخطاب الاحادي مرغماً، بعد ان سحقه
الاحباط كثيراً والغريب ان هذه الاطراف تعمل (بحماس منقطع النظير!!) على تنويع
وتوطيد مرتكزاتها والعمل على (تفسيلها) في المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع
المدني، بطرائق ذرائعية لا يمكن توصيفها، تنفيذاً لمشروعات الهيمنة واقصاء
"الآخر".
ان البحث عن مخرج للأزمة
العامة الضاربة باطنابها في بلدنا يقتضي الجلوس مع "الاخر" بعد القاء مشاعر
الكراهية جانباً؛ والتأسيس لحوار هادىء وخلاق، من اجل ايجاد حلول ليست انموذجية
بل معقولة –على الاقل- ووضع حدّ لمشكلات عديدة مستعصية كمشكلات: الامن، الفساد
الاداري، الطاقة، البطالة، التضخم وغيرها، والتي تتجاذبها مسببات "داخلية
وخارجية" راكمت من حديتها وتداعياتها، والتي لا يمكن حلها، إلا بان يكون الاداء
جمعياً متساوقاً، وهذا لن يتم بدون استبطان تجارب الآخرين، والعمل على تفعيل
الحوار والاتصال الحضاري مع "الاخر".
العنف
والتضليل: الوجه الآخر
ان الواقع المعرفي والانساني
يرشدنا الى حقيقة مفادها: ان الخارج عن الفردية "الاخر" ليس عامل ضعف وتشتت؛
ومضيعة للفرصة التاريخية –كما يروج البعض له- بل عامل تلاحم ونهوض؛ ان لم يكن
معنى محايداً لهذه التوصيفات، لأن من يتبنى الاحادية في الرأي، لابد ان تنطوي
موجهاته الفكرية على العنف والتضليل ومجانية الحقيقة؛ والعمل على اقصاء "الآخر"
بأي شكل من الاشكال، لان هدفه الاساسي الاستئثار بكل شيء، بالضد مما تروجه قنواته
الاتصالية من أنه يترسم "المقدس" ولا يحيد عن "جادة الصواب" في منهجياته
الاجرائية.
ان المقتربات (التاريخية
والدينية والاجتماعية) المشكلة للمحاور الاساسية للثقافة السائدة في مجتمعنا،
والمشتركات المتنوعة الحاضنة لها في توجهاتها تكاد ان تستمد مصداقيتها من مدونة
واحدة، ومرجعيات اخرى متماثلة في اغلب مفرداتها والتي تنفي هذا التشاكل، وتشي
بافتعاله وان موجهاته السياسية ذات الطابع البراغماتي المتمركز حول محوري السلطة
والمال تتقاطع مع المعطيات التي يمكن استخدامها كدلائل جديرة بالثقة، وهذا ما
يفضحه التشبث بمقولات تاريخية مجتزأة بقصد وعمدية، والتلويح بها في اوقات ما من
اجل تأجيج المشاعر ودفعها بهذا الاتجاه او ذاك، وهذا يتقاطع تماماً مع مشروعنا
الوطني الديمقراطي، لذا دابت هذه القوى على اعاقة تحولنا السلمي صوب الديمقراطية
عنفياً كلما لاحت في الافق بارقة امل، وهذا يتطلب منا التعامل بحذر شديد،
وموضوعية متناهية، ومقاومة المحور العاطفي في اتصالنا الفكري، وتبني مشروع وطني
ديمقراطي حقيقي نابذ لثقافة التطرف والكراهية محباً لثقافة التآلف والتكاتف، وهذا
لن يتم بدون التحرر من الذاتوية والاتصاف بصفة الانصاف، والمرونة والاعتدال في
محاورة "الاخر" والتوكيد على المؤتلف من المشتركات الايجابية التي تمثل حزمة
كبيرة من الفعاليات (السياسية والدينية والاجتماعية) للعراقيين كافة؛ لا على
المختلف السلبي الذي يجري التوكيد عليه الان والذي لا يمثل الا حيزاً ضئيلاً من
ثقافتنا ناسين او متناسين، ان الصرامة في التعامل مع "الاخر" تفضي الى الارتكاس
في مزيد من التعقيدات.
الجرأة المعرفية
وكما هو معروف؛ ان المنجز
السياسي يمثل "البنية الفوقية" لمجمل الفعاليات (الاقتصادية والثقافية
والاجتماعية) ولتحقيق هذا المنجز لابد من اشراك الجميع في تشكيل "البنية التحتية
لهذا المنجز واعادة صوغه ولكي تنجز هذه العملية لابد من ان نتصف بالجرأة المعرفية
في مواجهة "الاخر" بعيداً عن الاستفزاز والتهور، وان يحافظ خطابنا الثقافي
(سياسيا ومذهبياً) على مسافة فاصلة عن التوتر والاثارة ولا شك ان كل هذا سيسهم في
تخليق المقتربات الاولى لسلم اجتماعي؛ يفضي بالتالي الى اشاعة جو من الاستقرار؛
يؤسس الى حالة اكثر تقدماً، وهذا لن نلغيه بدون تأسيس منظومة قيم ثقافية، تؤمن
اتصالاً حقيقياً مع الاطراف كافة، وتمهد، وتروج لسياسة التسامح والحوار البناء مع
الفرقاء؛ لان التغيير الحقيقي يكمن في "البنية العميقة" للنسق الثقافي الذي
يتبناه المجتمع ولان حركة المجتمع هي بالاساس نتاج لبنية النسق الثقافي السائدة،
وهذا يتطلب منا حث الجميع على اقامة مراجعة ذاتية حقيقية لمجمل المتغيرات
المستحدثة، ومعالجة النقاط الخلافية الاساسية وتأسيس هذه المنظومة الثقافية
الراعية لنظام ثقافي جديد يوجه حركة المجتمع صوب آفاق تليق بنا كعراقيين او كبشر؛
اسوة بالاخرين وهذا لا يستدعي اجراء ترميمات شكلية تطول "البنية البرانية" لاخفاء
عيوبها، بل اجراء اصلاحات جوهرية عليها نابعة من "البنية الجوانية" لتراثنا
المعرفي والحضاري، المفعم بقيم المحبة والاخاء، والابتعاد عن كل ما يذكي بؤر
التنافر والبغضاء.
ان التركة الثقيلة التي
ورثناها عبر الحقب التاريخية المتعاقبة انساقاً معرفية تناسلت من شموليات متنوعة،
والتي أفضت الى الارتكاز على مسائل خلافية مذهبية كانت أم سياسية مفتعلة تلتقي مع
مطامع اقليمية ودولية في وطننا، ناهيك عن الرؤية الضبابية والموضوعية في نفس
الآن، الان لمجمل العملية السياسية وتداعياتها على دول الجوار -والتي وجدت لها
صدى كبيراً في السنوات الاربع الماضية- واتسقت في اجندتها مع اطراف داخلية ولا
تجد ضالتها في تسويق مشاريعها الا في مثل هذه الظروف.
ان هذه المعطيات اليقينية مع
ما رافقها من قيم وانماط سلوكية نفعية تشكلت علاماتها من انزياحات في وظائفها
المتبنية مطامع سياسية احادية الثقافة، تتبدى في اصطناع طرائق الخلاف ذات المنحى
العدواني، وهذا يمهد للانفراد بصناعة القرار، وحين يتسيد مثل هكذا نسق ثقافي في
أي مجتمع من المجتمعات يكون من العسير اقامة أي اتصال فكري حقيقي، وهذا يدفع
بالاطراف المتناحرة الى اقصاء الحقيقة وتشويهها، من اجل الاطاحة بالاخر وقد ثبت
بالتجربة ان الصرامة في التعامل مع "الاخر" يفضي الى الارتكاس في المزيد من العنف
والعنف المضاد والذي اكتسب في اغلب مفاصله طابعاً تعسفياً ممنهجاً، على نحو غير
مألوف في تاريخنا القديم والمعاصر.
هاجس اقصاء الآخر
ان هاجس اقصاء "الاخر"
المتناوب يثير شكوكا جدية، واشكاليات مختلفة لدى المواطن العراقي في ان يرى
مخرجاً للازمة الامنية قبل ان يفلت الوضع اكثر من قبضة الوعي والمسؤولية وفي مثل
هذه الحالة على المواطنين (المساكين) دفع حساب هذا الاختلاف ثمناً لطمس الحقيقة
التي يزعم كل طرف من انهم (اشياع الحقيقة التي لا يقين بعدها) في حين ان البحث عن
الحقيقة يمثل سبباً جوهرياً من اسباب الوجود الانساني، واحد غاياته الاكثر جمالية
على المستويين: المادي والروحي. ان استخدام قدم واحدة غير كفيل بايصالنا الى
نهاية الطريق، وان على الاطراف "السياسية والدينية" ان تعي دورها التاريخي في
المقطع الراهن والابتعاد عن المثول امام مسميات ايقونية واثارتها ساعة الطلب، نحن
ميالون الى حجب هذا الخط في التعامل مع "الآخر" لما تتبدى من مسارب الالغاء
والاقصاء، فنحن ندعوالى الحوار والمدارسة مع "الآخر" على ان يكون هناك اقرار
مشترك (يتجنب ابوة نصية مطلقة) وان نجنح للموضوعية في التعامل مع المحاور
الخلافية وهذا لابد ان يرافقه اصلاح البنية الثقافية من خلال البحث عن نسق ثقافي
مغاير للنسق السائد، يتسم بالوضوح، ويبتعد عن الانوية، ويعترف بالغيرية، وهذا
يفترض جملة مسائل منها:
* العمل على اشاعة ثقافة
المواطنة لكونها المفردة الاساسية المشكلة للمجتمع، وتكريس الهوية الوطنية لانها
الحاضنة الاساسية للمكونات (القومية والدينية والسياسية).
* العمل الجاد من اجل القبول
بـ"الآخر" وتبني روح التسامح والتصالح معـ"ـه" للخروج من المأزق الحالي، وتطبيع
العلاقات بين الفعاليات السياسية وايجاد المستلزمات الكفيلة بعودة المهجرين
والمهاجرين، واشاعة العدل بين جميع المواطنين، وتطبيق مبدأ المساواة في الحقوق
والواجبات.
* نزع السلاح من ايدي
الميليشيات، وتسليحها بثقافة الحوار والقبول بـ"الآخر" شريكاً لا يمكن اقصاؤه باي
شكل من الاشكال لانه جزء لا ينفصل من منظومة القيم المعرفية المكونة للقيم
الوطنية العراقية.
* نبذ الطائفية بكل اشكالها،
واستئصال شافتها فهي المنفذ الخطير الذي اجاد اعداؤنا الاشتغال عليه، واشاعة
ثقافة وطنية تدعو الى السلم الاجتماعي وتحافظ على الوحدة الوطنية وتعجل بخروج
المحتل.
* القيام بحملة اعلامية
لتحصين المجتمع ضد الثقافات التي تعمل على زعزعة أمن البلد، وتبث الفرقة بين
مكوناته وتحضه على الاقتتال.
* التذكير بالمنعطفات الحادة
في تاريخنا القديم والمعاصر، وكيف نقي انفسنا من مثيلاتها. ومن هو المنتصر في
عمليات القتل والترويع والتهجير، اعتقد ان الخراب شامل، وما دام هذا الاسلوب قد
عجز في ايجاد مخرجاً لنا، فعلينا الجلوس الى طاولة واحدة، والبحث عن حل لائق
للجميع.
* الشروع بوضع "المشروع
الوطني الديمقراطي" موضع التنفيذ.. والدعوة الى عقد مؤتمر وطني حقيقي كالذي دعى
اليه حزبنا الشيوعي العراقي صيف 2003 والذي لم يجد اذاناً صاغية للاسف –من قبل
الفعاليات السياسية والدينية- على ان يتم التحضير له جيداً من قبل جميع الاطراف
المعنية بالعملية السياسية، والا سنظل ننتظر نسخاً جديدة لطروحات قديمة للخطاب
الثقافي متأبية على الحل تتمركز في دوائر ضيقة على نفسها. وهذا يراكم من حدة
الصراع بين الآخر والآخر، واستمرار هذا الصراع واختلاف اشكاله وحدته، سيمهد الى
تآكل جرف الوحدة الوطنية باطراد، لأن تنامي رفض "الآخر" سيقودنا الى قطيعة
تاريخية تفضي الى احادية مقيتة، والتي ستوجد المبررات الموضوعية للنسق الثقافي
الشمولي من ان يلوح بيده من جديد.