مينسك- طريق الشعب
في مدينة مينسك-عاصمة جمهورية بيلوروسيا بدأ صباح الجمعة الماضي الاجتماع العالمي
التاسع عشر للأحزاب الشيوعية والعمالية تحت عنوان " الذكرى السنوية التسعون لثورة
أكتوبر الاشتراكية العظمى . حيوية وديمومة أفكارها .الشيوعيون في النضال ضد
الامبريالية ومن أجل الاشتراكية ". هذا ويشارك حزبنا الشيوعي العراقي في هذا
اللقاء ممثلا بالرفيق الدكتور علي العقابي عضو اللجنة المركزية للحزب.
وعلى مدى ثلاثة ايام واصل الاجتماع جلسات عمله، وتم الاعلان عن حضور 71 حزبا
شيوعيا وعماليا من 58 بلدا، فيما بلغ عدد المندوبين 154 مندوبا. وبقرار من اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي البيلوروسي الذي قرأته سكرتيرة الحزب الرفيقة تتيانا
كلوبيفا جرى تكريم جميع الوفود بمنحها وسام الثورة الاشتراكية بمناسبة ذكراها
التسعين.
وتناولت مداخلات المشاركين ذكرى اكتوبر ودروسها وتجاربها ، فيما اشارت بعض
المداخلات الى اسباب انهيار التجربة الاشتراكية ،كما تناولت المداخلات الاوضاع
السياسية في بلدان المتداخلين . وكان بين المتحدثين الرفيق العقابي ، الذي القى
كلمة الحزب الشيوعي العراقي بالمناسبة وجاء فيها :
“اسمحوا لي بإسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ان نهنئكم ونهنيء انفسنا
بالذكرى التسعين لثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى, الثورة التي رفضت منذ البداية
كل اشكال الاستبداد واستغلال الانسان لأخيه الانسان, والتي سعت في ظل ظروف داخلية
وخارجية شديدة الصعوبة والتعقيد,الى تحقيق حلم البشرية بأقامة الاشتراكية, وبناء
المجتمع السعيد.
لسنا هنا بصدد تعداد جميع الانجازات التي تم تحقيقها في البلدان الإشتراكية على
اكثر من صعيد، تلك الانجازات التي تبرز قيمتها في المرحلة الراهنة، وبعد غيابها
في ظل أنظمة الحكم الرأسمالية المستندة إلى الليبرالية واقتصاد السوق، فهذه
الانجازات معروفة للجميع ولا يستطيع تجاوزها أي تحليل منصف لهذه التجربة”.
وبالمقابل، تكفي المقارنة بين الوضع الراهن حيث تهيمن رأسمالية منفلتة، وبين
الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة قبل ذلك ليستنتج حتى الانسان
العادي مدى الفروقات الكبيرة التي حصلت.”
وعن اسباب انهيار التجربة ذكرت الكلمة ان "خريف 1989 يشكل منعطفا حقيقياً في
التاريخ. وبالرغم من السرعة المفاجئة التي تم بها، فإنه، كما بينت دراسات عديدة
نشرت لاحقاً، كان كامناً منذ سنوات طويلة، البعض يحدد بدايتها بالعام 1956
من المؤكد أن وجهات النظر في هذه القضية تتعدد وتتضارب. ويبقى السؤال الأساسي
قائماً : ما هي أسباب ذلك الانهيار؟
قد تكون المقاربة الأنسب لفهم ما جرى، تلك التي لا تكتفي بالبحث في العوامل
الظرفية التي رافقت محاولات التجديد وأدت إلى الانهيار، بل تقوم بدراسة اشمل
واعمق للتجربة والعوامل الداخلية لانهيارها من منظور ماركسي عبر تطورها وتفاعلها،
من جهة اخرى، مع الضغوط الخارجية في ظل سياقات تاريخية محددة, وإلى إخفاق أول
تجربة تاريخية في العصر الحديث لبناء الاشتراكية. لابد بالتالي من دراسة وتحليل
طبيعة ثورة أكتوبر الاشتراكية ومسارها اللاحق، الذي امتد لأكثر من سبعة عقود،
بالارتباط مع الظروف التاريخية التي مهدت لها ورافقت قيامها عام 1917 والمراحل
المختلفة التي اجتازتها، والتناقضات والتعقيدات التي اكتنفت تطورها، والتوقف أمام
المحطات التاريخية البارزة التي مرت بها".
واكدت الكلمة "صعوبة الاسئلة حول بناء الاشتراكية ومستقبلها، ومستوى التطور
الاجتماعي ودوره، والرأسمالية وقدرتها على البقاء وادارة الازمات.
ولا شك أن في ذلك دروساً مهمة لنضال الاحزاب الشيوعية والثورية من اجل التغيير
المشروط، من جهة، بقوانين عامة، ومن جهة أخرى، بخصائص محلية (وطنية وقومية).
وبالمقابل نحتاج الى العقلانية في تقييم هذه التجارب، وتجنب الخطاب السياسي
المباشر في معالجة قضايا نظرية بالغة التعقيد، لا تحتمل الهجاء أو المديح بل
تستلزم التحليل العميق والمقاربات المركبة بهدف استخلاص الاستنتاجات المطلوبة
للاستفادة منها في عملنا اللاحق.
وأهمّ الاستنتاجات التي يمكن بلورتها من إستعراضنا للتجارب الاشتراكية السابقة
هي:
- بينت التجربة أن الاشتراكية مستحيلة من دون اوسع قدر من الديمقراطية حيوية
الفكر والتمسك بالروح النقدية. كما انه ليس هناك من نموذج وحيد للاشتراكية في
العالم، وذلك يعني عدم اهمال تجارب الاخرين. وعلى كل حزب دراسة خصائص بلده
الموضوعية بعمق، لكي يحدد اشكال واساليب خوض النضال من اجل الاشتراكية التي تتنوع
طرق الوصول اليها بعيدا عن نظام الوصفات الجاهزة. الاشتراكية التي نناضل من اجلها
هي تلك التي تأخذ الجوانب الايجابية والمنجزات التي حققها النظام الاشتراكي،
وتتجاوز الثغرات والاخطاء التي حصلت، وتعتمد كل القوانين التي اكتشفها ماركس
والمفكرين الاخرين.
- أهمية وضرورة الربط بين النظرية والواقع وفهمهما في إطار العلاقة الجدلية،
وأهمية النظرة الاستراتيجية عند إعادة بناء التجارب. وهذا يتطلب بدوره العودة الى
المنهج الماركسي، للبحث الملموس في مشاكل الواقع الملموس من دون إغماض العين عن
المشاكل القائمة بترداد الجمل العامة. فالمهم هو التطبيق الخلاق للنظرية والمنهج
على واقع يتحرك باستمرار. فالماركسية منهج وليست شعارات جامدة، ومن المستحيل أن
نرسم استراتيجيتنا اعتماداً على المنقول من الكتب أو تكييف الواقع بما يرضى تجارب
الحركة الثورية فى هذا البلد أو ذاك.
- شاءت الظروف التاريخية ان تقوم اول تجربة لبناء الاشتراكية في بلد نضجت فيه
الشروط السياسية من دون ان يمتلك، بسبب ضعف تطور الرأسمالية فيه، القاعدة المادية
المتقدمة التي اعتبرها ماركس شرطاً لانتصار الاشتراكية في بلد من البلدان. ومن
خلال استخدام ادوات السلطة السياسية ، عمدت الدولة في الاتحاد السوفييتي وفي غيره
من البلدان ضعيفة التطور، التي انتهجت لاحقاً طريق التحولات الاشتراكية او ذات
الافق الاشتراكي الى محاولة تعجيل عمليات التطور الاقتصادي والاجتماعي التي
تستغرق في العادة آماداً تاريخية طويلة نسبياً. وقد اقتضى ذلك بالضرورة اللجوء
الى اساليب ادارية وعنفية قادت بدورها الى اختلالات وتشوهات في البناء السياسي
والاجتماعي، ودخلت في تعارض، بل تناقض مع اهداف البناء الاشتراكي ذاته. وقد خلق
ذلك عجزاً بنيوياً على صعيد الحريات والديمقراطية والبناء الحقوقي والشرعي للدولة
"الاشتراكية".
- انطوت التجربة السوفيتية للانتقال الى الاشتراكية بخصائصها الفريدة الناجمة عن
مستوى التطور الذي انطلقت منه والسياق التاريخي الذي جرت فيه، على طائفة من
الاشكاليات والخصوصيات، التي تفرض محاكمتها ليس بإعتبارها نموذجا يحتذى بحذافيره
بل بإعتبارها، كما وصفها لينين " محاولة وحيدة الجانب تنطوي على العديد من
الثغرات والتناقضات، ولكنها محاولة لا مناص من انطلاقها، ولا خيار امامها سوى
متابعة شق طريقها عبر التناقضات حتى تتضافر مع محاولات اخرى لتبلغ الاشتراكية
الكاملة وبالتعاون الثوري بين بروليتاريي جميع البلدان.
- أخضع الاقتصاد الاداري الاوامري الممركز بافراط، ونزعة القفز على التطور
الطبيعي وحرق المراحل، العملية الاقتصادية لنظام تخطيط مفصّل وإلزامي يشمل جميع
الوسائل الاستراتيجية للنشاط الاقتصادي ولا تلعب فيه آلية السوق والاسعار سوى دور
هامشيّ جداً. واتخذت الملكية العامة لوسائل الانتاج، بصورة أساسية، شكل ملكية
وإدارة الدولة التي تتحكم فيها البيروقراطية والصراعات بين شرائحها المختلفة،
مفضية إلى قيام علاقة مشوهة أساسها الاغتراب بين العامل والمزارع والمستخدَم في
التعاونية وبين العملية الاقتصادية. ووفر حدوث انفصام بين المواطن والملكية
أساساً لظهور تناقضات داخلية في النظام لم يجر الالتفات لها وتقصيها من قبل
الاحزاب الحاكمة، الأمر الذي أدى إلى استفحالها وتفجرها لاحقاً. وجرت محاولات
كثيرة للحد من صرامة هذا “النموذج”، ولكن مع ذلك ظلت الملامح الاساسية للنظام
عصية على التغيير.
- بالتلازم مع ظواهر المركزية المفرطة على صعيدي الاقتصاد وإدارة الدولة، وتماهي
الحزب مع الدولة وضعف المكونات الديمقراطية للأخيرة، تفاقمت البيروقراطية وتنامت
سيطرة الاجهزة الادارية القائمة على الفساد والافساد المنظم. ولئن لم تستوف
البيروقراطية شروط اعتبارها طبقة، فإنها اكتسبت العديد من مواصفات طبقة ذات
امتيازات تستند على نظام الاقتصاد الاوامري وملكية الدولة غير الخاضعة للرقابة
الديمقراطية.
- ان الضغوط التي واجهت التجربة السوفياتية منذ ولادتها والحصار الذي فرضته الدول
الرأسمالية (تدخّل 14 دولة في السنوات الأولى من عمر الثورة ثم الحرب العالمية
الثانية وما تعرضت له من خسائر هائلة وما تلاها في مرحلة الحرب الباردة)، تلك
الضغوط السياسية والإعلامية والاقتصادية، استنزفت الكثير من الطاقات وحدّت من
قدرة الاتحاد السوفياتي على البناء.
- وبالطبع لا ينبغي تجاهل دور سباق التسلح وأثره في استنزاف القدرات المالية
للاتحاد السوفييتي وباقي البلدان "الاشتراكية " السابقة. وقدرت الأموال المخصصة
لذلك السباق بحوالي ثلث ميزانية البلاد مما انعكس سلباً على الحياة الاقتصادية
والاجتماعية. علاوة على ذلك، لم يقم الاتحاد السوفياتي، على عكس الولايات المتحدة
الامريكية، سياسته مع البلدان النامية على النهب والهيمنة بل على الدعم
والمساندة. فالمساعدات الأممية التي كان الاتحاد السوفياتي يقدمها إلى البلدان
الاشتراكية الأخرى والبلدان النامية كانت هي الأخرى تثقل كاهله وتزيد من أعبائه
مما انعكس سلبا على حياة مواطنيه.
- شدة الهجوم الأيديولوجي للرأسمالية، التي ركّزت تنظيراتها المختلفة وحملاتها
الإعلامية على نواقص وثغرات التجربة، هذا اضافة الى ما تركته الحرب الباردة
وعقيدة معاداة الشيوعية وما استخدمته من أدوات ووسائل لتخريب هذه التجارب من
الداخل. إلا انه رغم ضخامة هذا الهجوم وتعدد اشكاله، فإن من الطبيعي عدم اعطائه
الدور المقرر في الانهيار لأن ذلك يعني التخلي عن الاطروحة الصحيحة التي ترى أن
العوامل الداخلية هي المقررة، نهاية المطاف، في نشوء وتطور وانهيار أي ظاهرة أو
عملية. وطبيعي أنه لا يجوز ايضا عدم اعطاء العوامل الخارجية الاهمية التي تستحقها
أو تقزيم دورها الفعلي عند تحليل هذه التجربة.
- من أهم أركان مبدأ التطبيق الخلاق للماركسية أن يتمتع الحزب الذي يتبناها ،
بادئ ذى بدء ، باستقلال سياسى وفكرى من أية وصاية ومؤثرات، وأن يكون مرجعه فى
اجتهاده الماركسى حقائق شعبه الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية والروحية. ومن
هنا تأتي اهمية المبادرة التي قام بها حزبنا في تدشين النقاش حول تجارب البناء
الاشتراكي التي انهارت والدروس المستخلصة منها، بما يمكن من ابتكار اشكال جديدة
للنشاط في سبيل تحقيق مشروعنا الوطني - الديمقراطي باعتباره محطة مهمة لتحقيق
خيارنا الاشتراكي. ويهمنا هنا التأكيد على ان هذا المشروع ليس بديلا لخيارنا
الاشتراكي، بل انه إذا تحققت مفرداته سيفتح مسارات وآفاق جديدة تجعلنا اكثر
اقترابا من الهدف الاستراتيجي النهائي، بناء الاشتراكية في بلد ملموس هو العراق.
ولا يعنى هذا التحديد الملموس ان المشروع مقطوع الجذور عن الافق المستقبلي، بل ان
الخيار البعيد المدى ( الاشتراكي) يظل ماثلا ولكن إنضاج شروط تحقيقه تظل عملية
نضالية طويلة الأمد، وبالتالي هدفا استراتيجيا بعيد المدى لا يمكن اخراجه من
دائرة التحليل والنظر. وسيكون في الوقت نفسه – بحسب برنامج حزبنا الذي أقره
مؤتمره الوطني الثامن الذي انعقد في بغداد في ايار 2007 :
" محصلة عمل فكري وسياسي تراكمي ومتدرج،
وايضا محصلة نضال قوى سياسية متعددة وتحالفات واسعة،
وسيتم الوصول اليها عبر عدد من المراحل الانتقالية التي يمكن ان تستمر طويلا."
ختاما، ونحن على مشارف الاحتفال بالذكرى التسعين لثورة اكتوبر العظمى، بغض النظر
عن النهاية الماساوية لهذه التجربة، ورغم اللحظات المشوبة بمشاعر مختلطة بين حلم
مؤجل وامل آت. الاّ ان مجرد استذكار هذا الحدث الذي نلتقي هذه الايام من اجل
الاحتفاء به، الحدث الذي غيّر العالم لاكثر من سبعين عاما، انما يعني ان هذه
الثورة ومبادئها الكبرى في: السلم والخبز والارض، لم تتسربل بالنسيان، فما زال
بيرق النضال ضد الاستغلال والظلم والعسف يرفرف.
ونغتنم هذه المناسبة ايضاً لنعبّر عن تقديرنا العالي لجميع الاحزاب الشيوعية
الشقيقة في العالم التي عبّرت عن تضامنها الاممي مع شعبنا وقواه الديمقراطية، وفي
مقدمتها حزبنا الشيوعي العراقي، في نضالها ضد الدكتاتورية والحرب والاحتلال، وضد
الارهاب والعنف الطائفي، ومن اجل بناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد كامل
السيادة".
وبعد إنتهاء اعمال الاجتماع العالمي في مينسك مساء الاثنين (5/11)انتقل المشاركون
فيه الى موسكو لمواصلة العمل وحضور احتفالات الذكرى التسعين لثورة أكتوبر(7/11)
والتي ستتزامن في نفس الوقت مع حملة الحزب الشيوعي الروسي للانتخابات الى مجلس
الدوما (البرلمان) المزمع اجراؤها في الثاني من كانون الاول من هذا العام.
طريق الشعب العدد62ليوم7/11/2007