اطبع هذه الصفحة

 

 

تأملات..ملايين يعانون ونخبة تجني

  رضا الظاهر

   يحار المرء، أحياناً، من تشخيص معضلات وترتيبها حسب خطورتها، أي حسب أولويتها. فهناك غياب الأمن، واحتراب الطوائف، وتفشي الفساد، وانحطاط القيم، وشحة الخدمات، وتضخم البطالة، ومصادرة الحريات وانتهاك حقوق البشر، وتخمة الأغنياء وجوع الفقراء، وغطرسة الاحتلال وسياساته المدمرة.. وغير ذلك الكثير مما يعكس أزمة البلاد الشاملة.

غير أن من بين أشد مظاهر الانهيار إيلاماً عزلة السياسيين، وهم نخب، عن الناس، وهم الملايين. وهي عزلة، تفضح، من بين أمراض اجتماعية خطيرة، ذلك السلوك المزدوج الذي يكشف عن عورة من يستهينون بإرادة الناس وبمعاناتهم المريرة.

وعلى الرغم من أننا دخلنا في النصف الثاني من العام الخامس على "التحرير"، فما زلنا نواجه "فضائح" لا تحصى. وفي ظل مناخات الاحتلال الملوثة يواصل أبناء العم سام اعتمادهم، في إطار التخبط والجهل واللهاث وراء الخروج من المستنقع، على "نفوذ" نخب معزولة، ومن فرضوا أنفسهم ممثلين لأهل البلاد، في إطار منهجية "الشيعة والسنة والأكراد"، التي ابتكرها "المحررون" وستراتيجيوهم، واستطابها "مقررون"، وبائعو ضمائر في أسواقهم، وسط قرع الطبول في مهرجان الامتيازات على حساب معاناة الملايين من المحرومين، الذين يدفعهم الانهيار الشامل الى هاوية الاحباط واليأس، بل والخنوع.

فلو أننا أخذنا، من بين أمثلة محزنة لا تحصى، مثالاً واحداً يتعلق بحياة الناس ومعاناتهم المعيشية لاكتشفنا هول الأكاذيب حول "التحرير" و"الديمقراطية" و"إعادة الاعمار" و"العراق الجديد"، وما الى ذلك من توصيفات "لفظية" ما زال يبرع بها المنتفعون بمختلف تلاوينهم.

فأبسط حاجات البشر الأساسية بعيدة المنال. وفي هذا البلد "الأمين"، حيث "كعبة المجد والخلود"، عاصمته التي تحولت، بفضل سياسات "المحررين" واحتراب "المقررين" ممن يرفلون في "خضراء" الدمقس والحرير، الى مدينة نفايات لا يستحي حكامها من مشاهد بحث نساء في صنادق قمامتها عما يسد جوع أطفالهن.

في هذه البلاد، وهي ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم، تغيب أو تشح المشتقات النفطية في الأسواق وترتفع أسعارها، بينما تعجز الحكومة، المدعومة من "أعظم" دولة في العالم، وفي سياق عجز أشمل، عن السيطرة على توزيع المشتقات وتأمين وصول المتوفر منها الى المواطنين المحتاجين، ناهيكم عن إيقاف عمليات تهريب النفط ومنع الهجمات على أنابيب نقله.

وفي هذه البلاد أزمة كهرباء وماء ومجارٍ وخدمات صحية، لا يعوق حلها تبديد مليارات الدولارات حسب، في بلد تميز بهذا التبديد، وإنما، أيضاً، تدني إداء أجهزة الأمن والفساد المالي والإداري.

وفيها تسير، للعام الخامس على "التحرير"، سيارات دون أرقام، تعرف الحكومة أن أغلب العمليات المشبوهة تتم من خلالها.

وفيها تستمر مشاكل البطاقة التموينية، التي يهدد بعض "ليبراليينا" المقررين بإلغائها لسواد عيون صندوق النقد الدولي، في ظروف ارتفاع الأسعار بمعدلات عالية، ملتهمة القدرة الشرائية، وخصوصاً للكادحين، بينما يتضخم جيش العاطلين عن العمل، وخصوصاً من الشباب، في بلد تعجز حكومته عن إعادة تأهيل الشركات الصناعية التابعة للقطاع العام، ناهيكم عن وضع خطط استثمار حقيقية وتوفير مستلزمات الشروع بتنفيذها.

وفيها تصرف وزارات عشرات ملايين الدولارات شهرياً على موظفين وهميين، بينما تتجاوز النسبة المئوية للعراقيين الذين يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً 54 في المائة، ويسرح طفيليو البلاد ويمرحون تحت حماية الاحتلال وعصابات المافيا والتهريب والجريمة المنظمة، حيث تستمر "الحواسم" بصيغ أخرى مبتكرة.

وفيها تتضاعف معاناة النساء، النصف الأعظم من المجتمع، حيث تسود ثقافة التخلف والنظرة الدونية للمرأة، وحيث الملايين من الأرامل والثكالى واليتامى، والتفكك الأسري، والمشاكل السايكولوجية، وتسرب الأطفال من المدارس، وتشغيلهم والأحداث على نطاق واسع، بل ودفعهم الى عالم التسول والمخدرات والجنوح والجريمة.

وفيها مليشيات تغيِّب دور الدولة، وتروِّع المواطنين، وتنتهك الحقوق والقوانين، بينما يستمر الاستقطاب و"الاحتراب" الطائفي، حتى أن أحياء مختلطة في العاصمة جرى "تطهيرها"، فباتت منغلقة على طائفة بعينها، وعلى نحو يشوه طبيعة العراق التاريخية وخارطته الاجتماعية.

وفي بلاد الأحزان، التي تبدو بلا نهاية، تنتشر ثقافة شراء السكوت المتبادل بين أصحاب النفوذ، ويزدهر تجار السياسة والثقافة في كرنفالات الاستعراض وشراء الذمم، وولائم الصفقات خلف الكواليس والمغانم أمام الأنظار، وينام النهّابون واللصوص والدجالون ونهّازو الفرص رغداً في بلاد لا رقيب فيها ولا حسيب.

*     *     *

في هذه البلاد التي ابتلاها حظها العاثر بقوافل من "محررين" يريدون إشاعة الخنوع، وأسراب من لاهثين وراء امتيازات، لا يصعب على المرء القول إن انعدام ثقة الملايين بالحكام ويأسهم من إصلاح الأوضاع، هو المعاناة الأكثر مرارة، ذلك أنه يعني، من بين مصائب أخرى، انتهاء روح الاحتجاج على الظلم، وهو أعظم بليّة تنزل ببشر ..

أليس من أعمق الأسى أن يتوفر كل هذا السخط وكل هذه المآسي، بينما يواجه مكافحون عقبات كأداء أمام استثمار هذا الوضع المثالي لتعبئة الملايين من المحرومين والجياع والمعوزين في حركة شعبية جبارة، قادرة على إنقاذ البلاد وإنهاضها في المسار الذي يفضي الى غد منشود، قدّم خيرة بنات وأبناء الرافدين في سبيله الجسيم والغالي من التضحيات؟