عند الكتابة عن الوحدة الوطنية والفدرالية في
العراق يجب ان لاينظر اليهما من جانب تنافسي او تصارعي سواء كان ذلك على المستوى
المفاهيمي ام التطبيقي الحركي السياسي , بل يجب اعتبار العلاقة بينهما ايجابية
وتعاونية . فالوحدة الوطنية مفهوم نبيل وموضوعي وامنية عزيزة وصلتها انما لاتتعلق
بالجانب السياسي او الاجتماعي او الثقافي فحسب بل ايضاً بالجانب الديني.
في الجانب التطبيقي نرى انه من الواجب البحث في مشكلة الوحدة الوطنية قبل البحث
في الفدرالية وذلك انطلاقاً من ان المشكلة في الاصل هي الوحدة الوطنية وان حل هذه
المشكلة يعني حل الكثير من المشكلات ومنها الفدرالية . ان الهدف الاساسي الان هو
كيفية ايجاد وخلق كيان سسياسي يؤطر كل القوميات والمذاهب والاديان ويكون وعائها
الامثل هو الوحدة الوطنية .
ان اواصر الوحدة الوطنية تقوى من خلال وجود مناخ سياسي متعدد سواء كان تعددية
سياسية ام تعديدية حزبية , مع الاعتماد على النشاط السياسي التنافسي السلمي وليس
التصارعي الضيق .
اما البحث عن تحقيق الفدرالية , فنحدد ماهيتها باعتبارها شكلا من اشكال السلطة
السياسية تقوم على اساس توزيع وظائف السلطة دون تركيزها بيد فرد او اقلية وبقدر
تعلق الامر بماهية الفدرالية فان امرها يتصل بشكل سلطة الهيئة التي تدير الشان
العام , اي السلطة السياسية لذلك فالفدرالية تمثل شكلاً لسلطة دولة لامركزية
واسعة , ففي الفدرالية هناك علم واحد للدولة الفدرالية وجيش واحد وتمثيل خارجي
واحد مع برلمانات للاقاليم وشرطة فدرالية واحدة مع مؤسسات شرطة ممثلة للاقليم
وخزينة فدرالية واحدة مع وجود خزائن محلية للاقليم , ويمكن ان نشير الى ان النظم
الفدرالية تكون من طريقين :
الاول : طريق اتحاد دولتين او اكثر وفي هذه الحالة فان الدولة التي كانت مستقلة
وتدخل الاتحاد الفدرالي تفقد شخصيتها القانونية الدولية المستقلة .
الثاني : طريقة تفكك دولة مركزية واعادة الاتحاد بين بعض او بين جميع الاقاليم
لهذه الدولة ليصبج هذا الاتحاد بشكل دولة فدرالية بعد ان كانت دولة مركزية واحدة.
ان المعيار الذي نؤمن به للعراق الجديد هو النظام الذي يقوم على اساس فدرالي
سياسي اداري (ولايات , اقاليم , محافظات) وليس على اساس قومي او ديني ـ طائفي ,
فلا خشية من الفدرالية اذا قامت على شرطين لاثالث لهما :
1- ان تقوم الفدرالية على معايير اقليمية ادارية وليس على اساس معايير قومية او
دينية .
2- ان تكون ديمقراطية المشاركة وليس ديمقراطية الموافقة .
ان شروط تحقيق ديمقراطية المشاركة في العراق وغيره تتمثل بالاقرار ولتجسيد العملي
للحقائق والمبادئ التالية :
-اقرار حقيقة التنوع في المجتمع العراقي ولاسيما التنوع القومي والديني.
- أقرار حقيقة ان تعبر جميع التنوعات القومية والدينية على السواء عن مصالحها
وطموحاتها عن طريق تنظيمات عصرية تتمثل بالاحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع
المدني .
- اقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة على المستويات الفدرالية والمحلية .
وعليه فان القاسم المشترك لعدم الخشية من الفدرالية من جهة وعدم الخوف على الوحدة
الوطنية من جهة اخرى تتمثل بالديمقراطية وبالمزيد من الديمقراطية . اي ديمقراطية
المشاركة وان منطلق هذه الديمقراطية يتمثل بالمواطنة اولاً واخيراً وان يسود
قانون رأي الاغلبية ورفض الاقلية .
لذلك علينا الا نروج لمفاهيم موازية للفدرالية مثل الانفصال او الانقسام او نروج
لمفاهيم مضادة للفدرالية التي كانت هويتها سياسية او غير سياسية . والسؤال الذي
يتبادر للذهن هو ماهو حال الوحدة الوطنية والفدرالية في مستقبل العراق السياسي ؟
ان الاجابة تتحدد بالمحاور التالية :
1- اذا كانت الفدرالية هي وسيلة من وسائل بناء النظام السياسي والاجتماعي
والديمقراطي في العراق وان الديمقراطية تعني اعطاء حق التعبير ليس للافراد فقط بل
للاجزاء المكونة للعراق (اقاليم او محافظات) اولوية وحق المشاركة في صنع القرارات
وتنفيذها ومراقبتها سواء كانت عربية ام كوردية ام تركمانية , اسلامية ام مسيحية
اذا انطلقنا من هذا المنطلق فلن نجد موجباً لرفض الفدرالية او محاربتها .
2- اذا ركزنا على عملية بناء الوحدة الوطنية على انها عملية سلمية طوعية وليس
اكراهية , هي عملية تأخذ معنى الصهر وليس القهر, وخلق الرغبة عند الشعب للاتحاد
وليس اجبارهم بالاستبداد , وان الوحدة الوطنية الحقيقية هي تلك المتأتية . عن
طريق وسائل الديمقراطية , فعندئذ ستكون الفدرالية وسيلة من وسائل تدعيم الوحدة
الوطنية , والديمقراطية كونها وسيلة وطوعية وليست قصرية , وثم لايجوز رفض
الفدرالية وبديهياً الوحدة الوطنية ايضاً .
3- اذا كانت عملية بناء الوحدة الوطنية اكراهية , مثلما كانت في السابق حيث لم
نجد الاحترام للتنوع السياسي والاجتماعي والثقافي بل سيادة لغة البعد الواحد
والحزب الواحد والوحدة الوطنية (الوحدة الشخصية) فانه من المحتم ان نسمع اصواتاً
تنادي بالفدرالية بمعناه السياسي بل بمعاني قد تبتعد عن الفدرالية وتقرب من معاني
الانفصال والانقسام .
ان الفهم العقلاني ليس مطلوباً فقط من اصحاب دعاة الفدرالية بل وبقية المحافظات
والاقاليم والنخب السياسية التي تقف موقف التأييد او الرفض للفدرالية وان ندرك
الفهم العقلاني الا اذا انطلقنا من مسلمة مفادها ان الديمقراطية هي الاطار
المرجعي السياسي لكل من الوحدة الوطنية والفدرالية , وانه اذا ما تحققت
الديمقراطية الحقيقية , ليست الكاملة بشكلها الادنى فان الوحدة الوطنية ستتحقق
وكذلك ايضاً اذا ما اعتمدنا على الديمقراطية كوسيلة في التعامل مع الافراد
والاقاليم والقوميات والمذاهب , فان الفدرالية ستتخلى عن طرحها الجزئي والفرعي
لان الاصل قد تحقق.
التآخي
العدد 5162 التاريخ 4/11/2007