اطبع هذه الصفحة

 

 

هل الفدرالية هي الحل

محمود المفرجي

اثار مشروع بايدن التقسيمي بذريعته الفدرالية لغطا كبيرا في الشارع السياسي العراقي الذي اصطف صفا واحدا ضد هذا المشروع واعلن رفضه الشديد له ، وبنفس الوقت عزز هذا المشروع التخوفات التي كانت تخالج نفوس من يرفض تطبيق الفدرالية بهذا الوقت بالذات الذي يمر به العراق العزيز بحالة استثنائية وتاريخية لم تمر صعوبتها على تاريخه.
وبنفس الوقت ان هذا المشروع قد اضر ضررا كبيرا بمن يطالب بالفدرالية ، لان الاصطفاف السياسي الذي احدثه الرافضين للفدرالية قد قلل حظوظ تطبيقها في العراق على الاقل في هذه الحقبة الزمنية. فالمطالبين بالفدرالية يرون انها تندرج من ضمن الحقوق الدستورية للعراق ، فضلا عن كونها احد الحلول لخروج البلد من عنق الزجاجة.
الا ان الصحيح ان الحالة المحتقنة التي يعيشها العراق هي اكبر من ان تكون حلها عن طريق الفدرالية نظرا لكثرة الترسبات التي احدثتها الاربع سنين الماضية والتي ولدت تداعيات تدفع المعني بالشأن العراقي الى التريث والتفكير مليا قبل اتخاذ أي قرار يخص البلد، لاسيما ان هذه القرارات (وللاسف) ليس العراقيين وحدهم من يتخذها بل هناك من هو اكثر تنفذا في اتخاذ القرار العراقي مثل الاحتلال الامريكي الذي تدعوا تصرفاته الى الشك والريبة ، لاسيما تصرفاته ومواقفه التي استلب بها حقوقا وقرارات مهمة كان من المفروض ان تتخذها الحكومة العراقية والتي اذا اردنا عدها نحتاج الى مقام اخر غير هذا المقام، مثل تدخله في القضاء وحمايته لبعض المتهمين، وتحجيم دور القوات الامنية العراقية ، وغيرها كثير.
والغريب ان بعض الذين تأصل الفشل عندهم واستنفذوا كل الحلول للازمات التي عصفت بالعراق وراحوا يبحثون عن حلول التقسيم او الفدرالية بشكلها الطائفي او الفصل بين الاخوين ، بدون التفكير باليات وتنفيذ هذه المسائل التي يحتاج لها وقت طويل للتفكير ووقت اخر للتنسيق ، وغيره للاتفاق ... الخ ، وهذا كله في حالة تم الاتفاق عليه ، ولا يتم الاتفاق عليه الا في حالة وصول العقلية السياسية العراقية الى مرحلة النضوج الديمقراطي الكاملة لتقبل فكرة الفدرالية ، واعتبارها كاجراء اداري تنظيمي وليس حاجة ملحة للاستئثار بارض معينة لطائفة معينة.
فالامر ليس بهذه السهولة ، وليس ما اقره الدستور العراقي هو لابد له ان ينفذ حتى لو كان فوق رغبة المتحفظين على هذا الامر ، فالموضوع ليس موضع اقرار دستوري بقدر كونه مسألة حيوية تلتقي في نقطتها مجموعة من التنظيمات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية لتكون مصداق حقيقي للفدرالية الادارية التنظيمية التي تخفف العبء على حكومة المركز.
ثم ان الاستشهاد بنجاح تجارب الشعوب الاخرى بتطبيق الفدرالية ليس حجة على الرافضين لها، فاذا كانت الدول التي تعمل بالنظام الفدرالي هي دولا ناجحة ومستقرة ، فبنفس الوقت هناك دولا اخرى لا تعمل بنظام الفدرالية هي اكثر نجاحا واكثر تنظيما واكثر استقرارا ، فاليابان على سبيل المثال لا تعمل بالفدرالية ، وهي متسيدة قمة الهرم العالمي في مجال التكنولوجيا والاعمار ، وهناك الصين التي انتقلت من الفقر الى الرفاهية الاقتصادية ولا يستبعد ان تكون احدى الدول الصناعية ، وايضا فرنسا التي تتطلع الى سيادة اوربا ولها تطلعات اخرى متمثلة بان تكون منافسا حقيقيا لامريكا ، حتى ايران التي دخلت في حرب استنزاف مع النظام السابق والتي من المفروض ان تخرج منها منهكة ، الا انها خرجت دولة تكنولوجية ، متوازنة ، ومكتفية اقتصاديا ، بل انها من افضل دول العالم من ناحية التنظيم الاداري .
لكن يجب التنويه الى ، ان المطالبة بالفدرالية ليس شيئا قبيحا ، اذا كانت هذه المطالبة من اجل بناء نظام اداري محكم للعراق ، ومن هذا الجانب لا يجب على من يرفضها التشكيك بنية من يطالب بها ، لاسيما انها مقرة دستوريا وامرا مفروغا منه. فمن حق المطالبين بها تحشيد الجماهير على قبولها ، ومن حق الرافضين لها توضيح سيئات تطبيقها في هذا الوقت بالذات.
اذن خروج العراق من ازماته المتلاحقة لا يكون بالفدرالية بل بمجموعة عوامل ، اهمها العامل السياسي الذي يجب بناءه بطريقة جديدة تعبر عن الرغبة الحقيقية للشعب العراقي في العيش بحرية وامان ورفاهية.
وهذا الامر يحتاج الى توضيح ، فكثير من المندفعين والذين يتهمون من يرفضها بشتى الاتهامات ، عليهم اولا اقرار حق ارادة الشعب في هذا الامر على اعتبار انه هو الاول والاخير في قبول او رفض الفدرالية من خلال طلب مجالس المحافظات او من خلال طلب حركة شعبية تمثل ثلث الناخبين وهذا ما اقره الدستور.
__________________________________________________
Do You Yahoo!?
Tired of spam? Yahoo! Mail has the best spam protection around
http://mail.yahoo.com