غريب امر الكتل
السياسية العراقية التي اتخذت من بعض نوابها مجرد شخوص جالسة تحت قبة البرلمان
تأتي وتخرج بدون ان يسمح لها ان تصرح او تدلي بآرائها للاعلام او ان تتخذ قرارا
يؤكد تمثيلها لفئة معينة من الشعب، انما التصريح والإدلاء بالرأي هو مقتصر على
بعض النواب المعدودين على اصابع اليد ، بحجة توحيد رأي الكتلة السياسية بموقف
واحد.
ان هذا الاجراء
الغريب له ان يفرغ النائب (او النائبة) من شخصيته وارادته السياسية التمثيلية
وعزله في زاوية ميتة تماما ، يعزل ويهمش معه ارادة 100 الف مواطن عراقي، مما
يجعل القرار السياسي محصورا بأشخاص معدودين ، اذا لم نقل ان هذا القرار محصور
برئيس القائمة او الكتلة.
واذا ذهبنا الى ابعد
من هذا ونصل الى مرحلة التصويت او اتخاذ القرارات التشريعية او الرقابية نرى ان
النائب او النائبة لا يرفع يده قبل ان يذهب ببصره الى رئيس الكتلة السياسية ،
ليتأكد انه رفع يده ليرفعه بعده ويعلن قبوله ، ولكي يجنب نفسه من المسائلة
المحتملة من رئيس القائمة او المتنفذين في الكتلة المنتمي لها!
فمن خلال ممارستنا لعملنا الاعلامي تأكد لنا ان رأي السياسي لا يقتصر على
توضيح وجهة نظر كتلته وموقفها ، بقدر الحاجة الى تبيين وجهة نظره الشخصية التي
هي اساسا اهم من وجهة نظر كتلته ، فليس من المعقول ان تتوافق اراء كل النواب
الممثلين لكتلة معينة ، بدون ان تكون هناك خلافات او اختلافات. فهذه الفكرة
مرفوضة عقلا ومنطقا ولا يمكن ان تمر على عاقل او متابع او محلل او مهتم ، بل
حتى على ابسط مواطن ، فحتى افراد العائلة الواحدة هم اكيدا متوافقون ومتفاهمون
، لكن بالتأكيد انهم يختلفون في جملة من المسائل مع ان قرارهم بالنتيجة هو
قرارا واحد ، وهذا القرار الواحد لا يمكن ان يستأثر به رئيس العائلة (رئيس
الكتلة)، بل ينتج عن مناقشات وتقريب لوجهات الرأي لكي يصبح القرار نموذجيا
وناضجا.
ان حالة تجنب بعض
النواب وخاصة النساء من الإدلاء بآرائهم الشخصية في حدث ما ، تدعوا الى الخجل ،
بان يرفض هذا النائب التصريح ويكشف بانه غير مسموح له بالتصريح!
واذا تطرقنا الى
النساء البرلمانيات فهذه مشكلة بحد ذاتها وكارثة لو كتب عليها الاستمرار فانها
سوف تصيب هذا المجلس بالشلل ، لا اقول الشلل الآني بل بالشلل التاريخي الذي
سيمتد الى نواب اخرين في المستقبل وتكون هذه الحالة مثل (المَلَكةَ) التي لا
تنفك عن هذا المجلس، وسنكون من الضروريات.
فهناك كتل كبيرة
وكاملة لم تأتي بالنساء الا لتكملة عددهن في المجلس ، وهذا بطبيعة الحال ليس
شيئا هينا لنسفهه او نحاول التقليل من اهمية مناقشته وطرحه على الجمهور، فهذا
الاجراء وهذا التهميش هو مخالفا اولا للعهد الوطني الذي قطعه النواب على انفسهم
بصيانة الامانة المرماة على عاتقهم ، ومخالفا للتعاليم الدينية التي احترمت هذه
الكائنة ووضعتها في مواقع افتخر بها التاريخ وتلاقفت صفحاته سير الكثير منهن .
فاي ديمقراطية هذه التي يتبجح بها الديمقراطيون ، واي تدين هذا الذي يتبج به
المتدينون واي امانة هذه الذي يدعيها المؤتمنون.
الا ان هذا الامر لا
يشمل اكيدا بعض النائبات المحتفظات بإراداتهن وقراراتهن وشخصياتهن التي لمسناها
من خلال بعض المواقف الجريئة لبعضهن واتخاذهن قرارات تخالف رأي الكتلة التي
ينتمين لها ، مما يكشف ان النضوج البرلماني الديمقراطي موجود اساسا لكنه ينتظر
من يحركه والى من يديمه. والادامة لا تأتي بطبيعة الحال بين ليلة وضحاها ، بقدر
حاجتها الى عمل شاق وجهد جهيد وافكار مستفيضة.
ولابد الاشارة هنا
الى الاقتراح الذي اقترحه جملة من النواب الذين شعروا بهذا الظلم ، بان يعمل
بنظام التصويت السري على القرارات في داخل البرلمان ، وهذا يكشف عن الرغبة
الحقيقية لهؤلاء النواب الذين يريدون ان يشعروا بدورهم والاضطلاع بقراراتهم
بعيدا عن بعض المتنفذين في كتلهم.
اذن الحالة الوطنية
تحتم على الذين يستأثرون بقرارات الكتل البرلمانية بان لا يجعلوا من البرلماني
او البرلمانية مجرد كائن متجرد من أي قرار وليس له أي فائدة الا الجلوس وتكملة
العدد وترصين وتقوية قرارات رئيس الكتلة بصوته.