اطبع هذه الصفحة

 

 

قصة البديل الأسوأ

رضا الظاهر

في أحدث حلقة من مسلسل الفضائح المرتبطة بعقود سخية تمنح للشركات الأميركية الخاصة في العراق، ألقى تقرير، الثلاثاء الماضي، أضواء على فشل وزارة الخارجية الأميركية في كشف مصير معظم مبلغ يصل الى 1.2 مليار دولار كانت الوزارة قد رصدته لشركة داين كورب الأميركية من أجل تدريب الشرطة العراقية.
وقال غلين فاربيش، معد التقرير، إن وزارة الخارجية عاجزة عن تحديد أين ذهب المبلغ. وجاء في التقرير، الذي أشرف عليه مكتب الرقابة العامة الخاص بإعادة إعمار العراق، إن مكتب الشؤون الدولية لمكافحة المخدرات وتنفيذ القوانين التابع للخارجية الأميركية "ليس لديه المعلومات المطلوبة لتحديد ما قدمته داين كورب بموجب العقد وكيف تم إنفاق الأموال".
وقال التقرير إن الفواتير والمستندات الورقية المتعلقة بالموضوع، التي قدمتها شركة داين كورب، في حالة "فوضى عارمة". وأوضح أن مكتب وزارة الخارجية في هذه الحالة "لم يثبت دقة الفواتير" التي تسلمها قبل تشرين الأول الماضي. كما أن المكتب "لا يعرف بالتحديد ما تسلمه مقابل ما أنفق عليه معظم الـ 1.2 مليار دولار بموجب عقد داين كورب لتدريب الشرطة العراقية".
وتكشف هذه الفضيحة الجديدة، من بين أمور اخرى، تخبط وزارة الخارجية، التي اضطرت الى الإقرار بسوء إدارة أموال برنامج تدريب الشرطة العراقية.
وكان ستيوارت بوين، المفتش العام في التحقيق الخاص الذي أجرته إدارة بوش لتقييم عملية إعادة الإعمار، قد أنحى باللائمة على المشاكل المتراكمة المتعلقة بالعقد داخل المكتب المختص في الخارجية، الذي كان قد منح العقد للشركة. وقال بوين إن "غياب السيطرة، والادارة الخطيرة لقضايا تتعلق بالعقد ضمن مكتب الشؤون الدولية لمكافحة المخدرات وتنفيذ القوانين، عرّض إدارة الشركة لعمليات التبذير والفساد".
أما السناتور الديمقراطي جو ليبرمان، رئيس لجنة الأمن القومي والقضايا الحكومية في مجلس الشيوخ، فقال إن الأمر تطلب من وزارة الخارجية سنوات عدة لمراجعة الفواتير وطلبات استرداد الأموال التي كانت داين كورب قد أنفقتها بطريقة غير مبررة"، مضيفاً إن "مثل هذا السيناريو غالباً ما يتكرر في دوائر الحكومة الفيدرالية".
ومعلوم أن داين كورب، التي ذُكِر أن اسمها طُرح كبديل لشقيقتها سيئة الصيت بلاك ووتر، تتلقى ما يزيد على 96 في المائة من إيراداتها السنوية البالغة ملياري دولار من الحكومة الفيدرالية.
ولا يقل تاريخ هذه الشركة خزياً عن تاريخ شقيقاتها من أمثال هاليبيرتون وبكتل وبلاك ووتر. وفي شباط من العام الحالي شخص المحاسبون الأميركيون تبديد داين كورب ملايين الدولارات على مشاريع بينها بناء حوض سباحة غير مقر بموجب ما قيل إنه توصية من مسؤولين في الشرطة العراقية، وملايين أخرى كان من المفترض أن تنفق على تمويل مجمع للشرطة.
غير أن من بين أكثر فضائح داين كورب خزياً، وهي ممتدة من كولومبيا وهايتي حتى أفغانستان، أن موظفين من الشركة تورطوا، عام 1999، في تجارة الجنس بينما كانوا يعملون في البوسنة. وفي حينه طُردت كاثرين بولكوفاك، الموظفة في الشركة، بعد كشفها أن الموظفين كانوا يترددون على بيوت دعارة كانت تحتجز فيها نساء. كما طرد بن جونسون، وهو موظف آخر في الشركة، بعد كشف تورط عاملين في الشركة في حلقات الدعارة القسرية في البوسنة. وعلى الرغم من اضطرار داين كورب الى طرد سبعة من مرتكبي أفعال التجارة بالنساء والأطفال، فإن أحداً منهم لم يواجه عقوبات جنائية.
* * *
بعد عام من إبلاغ وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد النائبة الأميركية سينثيا ماكيني بأنه ليس من سياسة إدارة بوش مكافأة الشركات المتورطة في تجارة الجنس بعقود حكومية، استمرت فضيحة بيع أطفال كعبيد بناء على توصية شركات تابعة لهاليبيرتون وداين كورب وشركات أخرى ذات صلات وثيقة مع النخبة الحاكمة.
ولعله من بليغ الدلالة أن نقتطف فقرة مما قالته النائبة ماكيني في الحادي عشر من آذار 2005 للوزير رامسفيلد: "أيها السيد الوزير، لقد شاهدت الرئيس بوش يلقي خطاباً مؤثراً في الأمم المتحدة في أيلول 2003 ذكر فيه أزمة تجارة الجنس. ودعا الرئيس الى معاقبة أولئك المتورطين في هذا العمل المروع. ولكن في اللحظة التي كان فيها الرئيس يلقي خطابه، كُشِف عن تورط داين كورب في شراء وبيع شابات وأطفال. وبينما كان كل هذا يجري، ظلت داين كورب تعمل بالعقد الممنوح لها من البنتاغون. فهل من سياسة الحكومة الأميركية مكافأة شركات تتاجر بالنساء والفتيات الصغيرات ؟"
أما رامسفيلد فقد أُلقِم حجراً، وراح، كعادته، يهذي، محاولاً طمس الحقائق !
أليس من حق المرء، والحال هذه، أن يتساءل: إذا كان مصير بلادنا بيد مثل هذه الشركات، وممثلي الاحتكارات الذين يمنحونها العقود، فكيف يمكن تخيل أن عمليات النهب يمكن أن تتوقف، وأن البلاد ستخرج من أزماتها ؟ أيمكن لدولة "عظمى" تغمرها الفضائح والفوضى والتخبط أن تحقق سلاماً في بلد تعصف به المآسي، ناهيكم عن "ديمقراطية" ألقى بها المحافظون الجدد وستراتيجيوهم في مهب الريح !؟


طريق الشعب 30 /10/ 2007