اطبع هذه الصفحة

 

 

د. نزيهة الدليمي في ذاكرة د. خيال محمد الجواهري

في تموز عام 1999 التقيتها في شقلاوة، اثناء حضورها للكونفرنس الخامس لحزبنا الشيوعي العراقي، وشاءت الصدف ان نسكن سوية في احد البيوت التي تم تخصيصها للقادمين من خارج الوطن، كان صاحب الدار رجلاً كردياً يبيع العسل والأجبان واسمه "ظاهر" وينادونه "زاهر"، وعلى مقربة منّا تسكن عائلته.

كنتُ ألاحظها ورغم تقدم العمر بها، وقد تجاوزت السبعين بقليل، تتحرك بحيوية وحماسة، تطالع الأدبيات التي ستناقش في الكونفرنس، وتدوّن ملاحظاتها بدقة وموضوعية وبما يُغني ما ورد فيها، بل بدت ذاكرتها وقّادة وحيوية... تذكرت كيف سافرت مع الجواهري الى فرنسا يوم كان يترأس لجنة الدفاع عن الشعب العراقي، التي تأسست في أعقاب انقلاب الثامن من شباط 1963 في براغ، من اجل كسب التضامن مع ابناء شعبنا في محنتهم ومواجهة الارهاب المستشري.

وكذلك عن الدور الايجابي والمشرف الذي لعبته، باعتبارها سكرتيرة رابطة المرأة العراقية، في إطار إتحاد النساء الديمقراطي العالمي "إندع" لتسليط الضوء على معاناة المرأة العراقية وعذاباتها وتحدياتها وهي تواجه العادات والتقاليد البالية والافكار الرجعية والمتخلفة والظلم والارهاب.

بعد انتهاء الكونفرنس الآنف الذكر، وفي طريق العودة الى دمشق، عبرنا الخابور سوية، وحينما انطلقت بنا السيارة من القامشلي وباتجاه دمشق في الساعة العاشرة وهي غالباً ما تنطلق ليلاً وتصل دمشق مع تباشير الفجر الفضية، كان معنا الاستاذ عبدالرزاق الصافي ايضاً.

في دمشق كنا نشعر بسعادة غامرة في أن تحط عندنا في البيت الدكتورة المفخرة ولأيام معدودات، ريثما تتم اجراءات السفر الى برلين.

كنا ننظر بتقدير وإعجاب الى تجربتها الغنية في الحياة فلإسمها رنين خاص وقد ارتبط بنضالاتها المشهودة في صفوف النساء والفقراء.

خلال إقامتها عندنا في البيت حدثتنا كيف إنها، وأثناء دراستها في كلية الطب في الاربعينيات، عقدت اجتماعاً لطالبات الكلية وكان عددهن يقدر بعشرين طالبة... ومرة اخرى عقدت اجتماعاً ثانياً وكان الحضور أوسع وأشمل، وقدّر باكثر من 400 إمرأة. عقد هذا الاجتماع في النادي الرياضي في الاعظمية وجرى الحديث فيه عن أهداف رابطة المرأة العراقية واهمية انخراط النساء في النضال من أجل حقوقهن وبناء مجتمع جديد.

تقول: "كنت اعمل بين النساء لمكافحة الأمية في العطل الصيفية وبالذات في مدرسة الفضل الابتدائية لقربها من مكان سكني".. وعن حضورها لمؤتمر إتحاد النساء الديمقراطي العالمي في كوبنهاغن عام 1953 قالت: "في هذا المؤتمر حققنا حضوراً كبيراً للمرأة العراقية وتم انتخابنا لسكرتارية "اندع". كما تطرقت الى ثورة الرابع عشر من تموز وما تحقق للمرأة من انجازات ومكاسب وفي المقدمة منها قانون الاحوال الشخصية رقم 188 سنة 1959.

في اليوم التالي من إقامتها في دمشق، كانت فرصة طيبة لتشرفنا لحضور اجتماع شهري لرابطة المرأة العراقية في سوريا، وبروحية المناضلة الكبيرة والقديرة والخبيرة والمتواضعة جداً، راحت تحفز النساء الحاضرات للقيام بدور أكبر وأهم وتحثهن لتفعيل عمل الرابطة لتأخذ مكانها الحقيقي بين الجماهير النسوية وانطلاقاً من إيمانها العميق بأنَّ المستقبل للمرأة المكافحة، للمرأة التي تعرف كيف تنتزع حقوقها وحرياتها من أجل غد مشرّق وأفضل.

كان لحديثها وقع كبير بين النساء الحاضرات، حيث ينبع من القلب وينم عن حرص كبير فيوقد قناديل الأمل والتفاؤل ويذكي لهيب النضال.

عهداً أن نواصل الدرب على خطاك، وعهداً أن نواصل المشوار من أجل عراق حر، آمن ومزدهر.

وبعد هذا وذاك ألا تستحق هذه الشخصية الفريدة، التي نذرت نفسها لقضية الشعب والدفاع عن حقوق المرأة، إقامة تمثال لها في احد شوارع العاصمة بغداد او ساحاتها. او تحويل بيتها الى متحف وجمع كل ما نشرته في مطبوع يكون في متناول القراء.

طريق الشعب العدد55ليوم29/10/2007