كيف يمكن ان نحوّل الديمقراطية من فضاءاتها المفاهيمية المعقدة الى دروس في
المدرسة والى وصايا في البيوت والى خطاطات في مؤسساتنا الاجتماعية والدينية
والتربوية والتعليمية والى سلوك متعال في السياسة والاختلاف والحوار والتداول
السلمي للسلطة ؟
وكيف لنا ان نخلّص الديمقراطية من وهم(قديم جديد) يقول ان الديمقراطية بدعة
غربية! وبضاعة مستوردة ومفهوم اشكالي للحاكمية والادارة اجتهد الكثيرون في تحليله
وتحريمه!؟ وكيف يمكن لنا ايضا ان ندرك ان هذه الديمقراطية (المفهوم والاجراء)
اصبحت واقعا وثقافة وآليات للحكم وسياقات للمصالح، مثلما اصبحت مجالات لوعي فلسفي
يتجاوز التجريد الى التجسيد ونظريات في علم الاجتماع والسياسة والمواطنة، وانها
خرجت من سوقها القديم ذات المزاج السفسطائي والتأويل الافلاطوني الى فضاءات
انسانية وتداولية فاعلة والى فضاءات سياسية وبرامجية، وانها لم تعد حكرا لأحد من
الامبرياليين والليبراليين والعلمانيين ،وانما اصبحت ملكا للجميع؟؟ ان هذه
الاسئلة ليست مدخلا لنشر ا شكال من الثقافات الطوباوية او نشر تصورات عمومية عن
الديمقراطية، بقدر ما هي سعي الى اعادة انتاج الكثير من المفاهيم وادماجها في
السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والاداري ،لنكون حقيقة امام ضرورة الدولة
كواقع وتنظيم وفاعليات مجتمعية ،ولاشك ان حديث الديموقراطية اصبح لازما وضروريا ،لانه
قرين بحراك السياسة وحراك القوى السياسية في اطار حواراتها وتجاذباتها وتبادل
منافعها وايمانها بتداول المصالح والسلطة ،،لان كلمة الديمقراطية التي كثيرا ما
اثارت لبسا وغموضا وغوايات ،رغم ان جوهرها يقول عكس ذلك تماما ! اذ هي تعني (حكم
الشعب)،،، تحولت بين ليلة وضحاها الى شكل من الهستيريا او نوع من الحمى او ربما
نوع من الاشاعة او حتى الفوضى التي لاتعرف الحاكميات العربية والمحلية كيفية
تصريفها وتحويلها من مرجعياتها المفهومية الى اليات ونظم وتشريعات وقوانين ومواقف
وسلوكيات يمكن ممارستها في الشارع والمؤسسة والادارة والسلطة.. ان وقائع
الديمقراطية في حياتنا وتاريخنا لا تخرج للاسف عن تصورات (ثقافوية) او ربما مجرد
بيانات او اشارات تتضمنها عادة الانظمة الداخلية، وان كل ماهو خارج هذه السيولة
الثقافية الرخوة هو محض هراء! اذ لا ديمقراطية ولاهم يحزون! الكل يمارس استبدادا
نوعيا، والكل يفرض رأيه وموقفه ومصالحه وامتيازه بعيدا عن امتيازات الديمقراطية
ذاتها. ولعل تاريخ السلطة القمعي في حياتنا السياسية القريبة جدال وطبيعة
مهيمناته وفروض ما ادخلتنا به من ازمات ومحن وسجون وديكتاتوريات وتصفيات، جعلنا
ننظر للديمقراطية وكأنها اكسير سحري قادر على انقاذ الجسد الشعبي وحلم المواطن
البسيط والمثقف، وانها الروح السرية التي تمنحنا الاطمئنان الكامل والنوم الكامل
والاحلام الكاملة!! ولكن الطريق الى هذه الديمقراطية لايبدو انه شبيه بالطريق الى
السرير او الطريق الى الاشباع اذ يبدو ان هذا الطريق معقد ومليء بالكثير الكثير
من العقد والمطبات فالبعض يتصور ان التغيير في انظمة الحكم هو عملية تبديل وجوه،
وتبديل ثياب، ولا علاقة له بفلسفة الديمقراطية التي تتحدث عن نمط متعال للحاكمية،
او انها تؤسس نمطها السياسي في ظل عالم خال من الصراعات الطائفية والاثنية التي
اكلت نصف موائدنا وارواحنا واحلامنا ،وجعلت حديث الديمقراطية يشبه حديث البطرانين
وان التنظير فيها على انها تعني حكم الشعب كما تقول الادبيات هو تنظير في الفراغ
وركض في المتاهة ،، اذ ان هذا الشعب الرمزي البسيط المستسلم والخاضع منذ قرون الى
نمط من الحاكميات التي تسوس وتسوّق الناس تحت اوهام وتأويلات ،غير قادر على
ممارسة لعبة السلطة وادارة شؤونها وشجونها، فضلا عن ان مفهوم الحاكمية هو مفهوم
مهني وعصابي وسياسي وان الطروحات العمومية عن هذا المفهوم هي محض اقاويل، وربما
ان المشاركة المباحة فيها هو نوع من المحرمات والبدع.. ولاشك ان التربية السلطوية
والتربية الاستبدادية مكرسة في ثقافتنا الشعبية والعائلية والعقائدية منذ زمانات
طويلة ،وانها جزء من سستم (الرعوية) والتصرف بالشأن العام في الادارة والمال
والحكم، وهذا طبعا يجعلها لاتسمح للابناء بالخروج عن حدودها ولياقتها وتصوراتها ،
وبالتالي فانها ستجعل من هذه التربية جوهراً اخلاقيا صادما ومحتويا لاي تفسير
يبرر تقاطع المصالح وتعدد الآراء واختلاف وجهات النظر، والشراكة في انتاج فكرة
عمومية قد تنسجم مع مصالح الجميع لكنها لاتعبر بالضرورة عن رأي موحد للجميع.. ان
التعاطي مع الديمقراطية كمفهوم وافكار وكثقافة ينطلق في جوهره من وعي الاساسيات
التي ينبغي ان تمهد الوعي لتقبل أي انزياح في الفكر الجمعي ،وتبدل في نوعه ونظامه
، ومن ابرز هذه الاساسيات هو التعليم والثقافة والرفاهية الاقتصادية ووجود الدولة
العادلة العاقلة ، اذ لايمكن الحديث عن تحولات عميقة في المجتمع باتجاه تحديث
الياته ومنظوماته دون التوافر على برامج ومناهج ومعطيات تضع التعليم بمراحله
المتعددة في صلب عملية خلق الاستعدادات للتغيير وتشكيل ملامح تجديدية للوعي
الاجتماعي وتقبل ما هو جديد دون اكراهات قامعة ..واجد ان اعادة صياغة مفاهيم
التعليم وبرامجه تبدأ من اعادة قراءة النص التاريخي واخباره واشاعاته والحدّ من
مظاهر الجهل التعليمي والثقافي والمعلوماتي ،باعتبار ان الجهل من اخطر المكاره
التي تواجه التحولات البنيوية العميقة للمجتمعات، وتنتهي باعداد وصناعة المعلم
الذي يؤمن بجدية وجدّة الرسالة التعليمية وجدواها العلمية والموضوعية ودورها في
تغيير الافكار والقناعات والسلوكيات والمواقف .. كما لايمكن الحديث عن مفاهيم
التغاير وايجاد السياقات الفاعلة للتحول المجتمعي دون وجود فضاءات ثقافية تسهم في
توفير المحركات والموجهات والوعي العام الذي يلعب دورا فاعلا في تأمين الدوافع
والمجالات والقبولية والتمكين المجتمعي الذي يؤمن بحيوية التفاعل بين الثقافة
والحرية والتغيير وقيم المواطنة واتساع مجالات ممارستها كحقوق وواجبات لايمكن
الالتزام بها دون وجود البنيات الثقافية الفاعلة والرأي العام والاعلام المسؤول
الحر.. ويقترن حديث الاساسيات ايضا بموضوع الرفاهية الاقتصادية ،اذ لايمكن الحديث
عن الديمقراطية وبرامجها واهدافها وفلسفاتها مع الجياع والفقراء والمحرومين، وفي
ظل اجواء تسودها العلاقات الاقتصادية الاستغلالية والتي تكثر فيها مظاهر الحرمان
والقهر وضعف الخدمات الاجتماعية الثقافية والاقتصادية وتغيب عنها مظاهر المعيش
المعقول والمقبول انسانيا واخلاقيا واقتصاديا وبما يجعل المواطن امام ضرورات
تؤمّن له مصادر الاشباع والاستقرار وتجاوز الحدود البشعة للفقر ، ولعل المنظمات
العالمية المعنية بحقوق الانسان والمنظمات ذات التوجهات الاقتصادية تؤشر تدني
الواقع الاقتصادي في العراق وزيادة عدد المحرومين دون خط الفقر، وضعف الخدمات
المقدمة لهم، وهذا لايقترن بمعدل زيادة الرواتب للموظفين وارتفاع دخولهم بقدر ما
يقترن بقياسات عامة ترتبط بارتفاع معدلات التضخم، وانهيار الصناعات المحلية التي
كانت تؤمن مداخيل اقتصادية لملايين العمال العاملين في القطاع الخاص والمختلط
،فضلا عن انهيار بعض مؤسسات القطاع الحكومي ذات الجدوى الانتاجية (مؤسسات ومنشآت
وزارة الصناعة والتصنيع العسكري) بسبب توقف عمل هذه المؤسسات عن الانتاج
والمنافسة والتسويق وبالتالي فان استحقاقات العاملين فيها ستكون عبئا على
الميزانية العامة، وهو ما يقلل نسبة المداخيل التي يمكن ان تسهم في توفير
الاساسيات في نظام الرفاهية الاقتصادية. ولاشك ان علاقة الدولة العادلة بصياغة
الاساسيات الممهدة لاي تغيير اجتماعي يمثل ابرز الوجوه التي يمكن ان تدعم هذه
التوجهات وان تساعد في رسم الخطط والبرامج والاهداف وان تخصص لها الميزانيات بما
فيها ميزانيات التعليم والثقافة والرفاهية، وهذا ما يجعل حديث الديمقراطية حديثا
يقترن دائما بوجود الدولة وقدرتها على صناعة هذه الديمقراطية، فالدولة هي نظام
مؤسسي رعوي ،يكفل البرامج والمحميات ،يملك نظاما للتشريع والادارة والرقابة
والقضاء، ويملك المال الداعم لاي برامج سياسي او ثقافي او اقتصادي، وان اطار
الدولة القوية العادلة هو الاطار الذي يمكن ان يحمي المواطن ويحمي البرامج ،ويجترح
لحراك القوى الاجتماعية والسياسية سياقات عمل صحيحة ومحمية ومنها (محمية)
الديمقراطية ، اذ ان هذه الديمقراطية التي تعني آليات الحكم والادارة والتبادل
السلمي للسلطة،لايمكن ان تكون حامية لتبادل القوى دون وجود النسق الحاكم الذي
تمثله الدولة عبر اجهزتها وسلطاتها اللاديمقراطية طبعا لان الامن والرقابة ليسا
ديمقراطيين، وان من يتحدث عن ديمقراطية عمومية فهو يتحدث عن اوهام عمومية. ان
مجتمعاتنا تحتاج حقا الى صناعة الديمقراطية ،لاننا لانملك موروثا في الديمقراطية
، ولاننا نملك ارثا قمعيا هائلا وانماطا غريبة من الحاكميات التي شوهت الحكم
والسلطة والقوانين والقيم ووضعت التاريخ كجزء من السرديات الكبرى في سياق
منتجاتها المحلية واعتقد ان صناعة الديمقراطية ليست بالامر السهل والجاهز وان
التغييرات السياسية بما فيها التغيير او الزلزال الحادث في العراق بعد 9/4/ 2003
، غير كافية لاحداث عاصفة من الديمقراطية لان هذه الديمقراطية ستكون شعارات اولا،
ولانها ستكون جزءا من رد الفعل على تاريخ طويل من الديكتاتوريات ثانيا، ولانها
ستكون خالية من الطعم واللون والبرامج والرائحة ثالثا.. ان هذه الصناعة تحتاج الى
وعي اسثنائي وتحتاج الى فاعلية سياسية حقيقية تقوم على وجود برامج سياسية وطنية
واضحة ،مع وجود قوى سياسية تؤمن بالديموقراطية كاسلوب سياسي بنيوي لادارة الدولة
الجديدة ، مع وجود اشكال وبرامج لانماط من الادارات القائمة على اساس اشباع
الحاجات الاساسية للمواطنين، ولعل تضافر هذه العوامل سيوفر حتما المواد الاولية
والبرامج الواسعة والارضية المناسبة واليات الانتاج والتسويق التي تكفل بتداول
البضاعة الديمقراطية ونقلها من حيز الفكرة الى فضاءات السوق العام..