لغرض الوقوف على اتجاهات التحولات الاجتماعية في العراق لابد من التمييز بينها من
منظور مولداتها ومدياتها وأشكالها وكما يأتي:
1-التحول الاجتماعي الداخلي الطبيعي: ويتم عبر الهياكل الاجتماعية والثقافية
والاقتصادية مرتكزاً على مخزون ثقافي واسع مستوعباً النظام المعرفي والتراتبيات
الاجتماعية والامكانيات الاقتصادية وطرق الانتاج المتبعة والعادات والتقاليد
والقيم وكل ما يضطلع في تشكيل هوية المجتمع، أي رؤية هذا المجتمع لذاته وللعالم
من حوله ولغاياته الكبرى، وبالتالي فإن هذا المجتمع يمارس سلطانه الكامل على
تحوله الذاتي وهذا يجري ويتم في ظل الظروف الطبيعية التي يعيشها اي مجتمع.
2- التحول الاجتماعي الداخلي غير طبيعي: ويتم نتيجة تبني اتجاهات متطرفة في
انحيازها لمخزونات ثقافية وعادات وتقاليد وقيم تشكل جزء معينا من الهوية
المجتمعية تتجاوز الرؤية الموضوعية لتطور المجتمع العالمي وللمجتمع ذاته لاسيما
فيما يتعلق بالغايات والاهداف والامال التي يتطلع النظام الاجتماعي الى بلوغه
وتحقيقه متناغما مع مسيرة الانسانية جمعاء نحو الرقي والتطور.
3- التحول الاجتماعي الخارجي: وهو التحول الاجتماعي الذي يتم وفق شروط ومواصفات
لتحولات خارجية قد تختلف جزئياً أو كلياً عن شروط التحول الداخلي الذاتي، ووفق
اجندة خارجية متحكمة في سرعة وحجم واتجاهات هذا التحول، فلا سلطان لهذا المجتمع
على محركات ومصادر هذا التحول الغريب، الذي يضرب بتياراته العنيفة المنظومات
المعرفية للمجتمع من خلال اثارة سلسلة مراجعات للذات ومقارنات قد تؤدي الى
التسليم بقدرة العامل الخارجي على حل مشكلاتنا المزمنة كتعبير عن الاحباط العميق
بداخلنا والعجز عن النهوض الذاتي بواقعنا وصولاً الى تمثل سيرة الغالب المنتصر.
وهذا الامر اخذ يتبلور بشكل جدي وملموس في اتجاهات حركة التفكير المجتمعي في
العراق على مدى اكثر من أربع سنوات.
مؤشرات الواقع الاجتماعي العراقي
مما لاشك فيه ان التحول الاجتماعي الذي يجري في العراق اليوم هو تحول اجتماعي
داخلي غير طبيعي الى جانب تاثره باجندة خارجية وقوى اقليمية اخرى تحاول تغيير
مسارات التحول الاجتماعي في العراق لمصلحتها. و لغرض فهم الواقع الاجتماعي الحالي
في العراق، فإن صورة التحول قد لا تبدو واضحة، لمن يبتلعه تيار التحول وبالتالي
قصوره عن فهم الخلفيات التي تغذي وتوجّه مجريات هذا التحول، ولذلك فإن المجتمع قد
يشهد تغيرات نوعية جوهرية ولكن لا تفضي في الظاهر الى تمثًلات في الفكر أي لم تطل
مباشرة الاساسات الذهنية، بمعنى آخر قد يحدث التحول القادم من الخارج تغييراً
عظيماً في سلوك المجتمع أو قطاع كبير منه، ولكن ليس بالضرورة أن يترك تأثيراً
مباشراً وعاجلاً في الفكر، على أنه بالتأكيد يستبطن طيفاً من الاسئلة تتراكم
بمرور الوقت كلما اتسعت وتزايدت التغييرات السلوكية وصولاً الى تغييرات كبيرة في
الاساسات الذهنية، تتمظهر في عملية اختلالات في المنظومة الثقافية ونظام القيم
وطرق المعيشة وأنماط التفكير وشبكة العلاقات الاجتماعية. ويمكننا تأشير اهم وابرز
مظاهر عملية التحول الاجتماعي في العراق من خلال رصد ما يأتي:
• الرجوع الى الاوضاع الاجتماعية القبلية في اطار من السكون في الوعي العام، يكاد
يختزل نظرة الانسان للكون عند حدود المعرفة الموروثة.
• الرتابة الكسولة في التفكير واللهاث وراء تأمين الحد الادنى للعيش كتعبير من
جهة عن الصراع من اجل البقاء.
• تردي وتراجع و قصور الانسان العراقي عن وعي ذاته فضلاً عن جهله التام بقدرته
على التغيير في واقعه الفردي والاجتماعي فلا مكان للابداع والمغامرة والتطلعات
البعيدة، وروح المسؤولية الفردية والاجتماعية، وسرعة المبادرة، كشروط ضرورية في
عملية التغيير..
• عجزاً مجتمعيا مزمناَ وعميقاً ينعكس في جزء مهم منه في الغياب التام عن وعي
حركة التاريخ أي العيش في مكان خارج دورة التاريخ بل خارج دورة الزمن، فلسنا
معنيين بما جرى ويجري خارج السور طالما أن ذلك لا يقلق سباتنا أو يهدد لقمتنا،
فالأزمة ليست مختصرة فقط في التهجير ولا بالقتل والاختطاف اليومي، وإنما بما يحدث
من تطوير في الحركة المجتمعية العامة باتجهات قد لاتكون صحية، نتيجة تباطوء واضح
وبّين في وتائر النمو المعرفي للمجتمع، وتقدمه الحضاري.
• الفراغ الفكري الواسع الذي نجم عن تدمير وانهيار مؤسسات الدولة العراقية (وليس
النظام السابق) جعل الفرص مؤاتية لملئه بأي شيء وبأي طريقة، فاسحا المجال لتحولات
جوهرية كبيرة في الواقع الاجتماعي، ووضع حجر الاساس لمجتمع مضاد يعاد تشكيله في
جو من الصراع الفوضوى العبثي بكل ما فيه من عناصر جديدة، وتفاعلات متنوعة، أي بما
يحدث من تبدلات فوقية، في نظام التفكير، وتحتية في نظام القيم والعادات وطرق
المعيشة والانتاج.
بكلام آخر، أحدثت المرحلة التي تلت نيسان 2003 طفرات مفاجئة مولّدة طيفا من
الاختلالات والانقطاعات، فمن الفقر المدقع لشرائح مجتمعية معينة الى الغنى الفاحش
والعكس صحيحي بالنسبة لشرائح اخرى، ومن العزلة التامة الى الانفتاح المطلق. لقد
حدثت تبدلات كبرى في الاوضاع الاجتماعية، وهي تبدلات تسببت في قطع الاواصر بين
الاجيال مسفراً عن (صراع الاجيال)، متمظهراً في غياب اللغة المشتركة في التفاهم
والتعامل والتفكير، وايضاً غياب التطلعات المشتركة، والهموم المشتركة، والاهداف
المشتركة، وفي نهاية المطاف ثمة تغييرات تحفر عميقاً في واقع المجتمع وتعيد
تشكيله وصياغته وفقاً لبيئة وشروط ومحفزات جد مختلفة.
اتجاهات التحول الاجتماعي في العراق
ومن زاوية نظر أخرى، فإن التحول أخذ ينطلق بوتائر متسارعة ويعصف بكل البنى
القديمة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية وكانت هناك حاجة الى كوابح للحد من سرعة
التحول وأضراره المحتملة، فهناك عالم جديد يقذف بعالم قديم ويستوعب بحضوره الكلي
والصارم كل البنى القديمة اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وأيضاً سياسياً. ان طبيعة
التحول الاجتماعي العراقي اليوم بدلت التراتبية التقليدية السائدة في المجتمع
المؤسسة على نمط معيشي محدد، كما بدل النظام المراتبي، والنظام القيمي، وأتجه
بسرعة كبيرة لاحداث تغييراً كبيراً في العادات والتقاليد. وعليه لم يعد خافيا ان
المجتمع يخضع لعملية تجديد قسرية، تتطلب العبور بالمجتمع من الممر الطبيعي، أي
إحداث تبديل في قاعدته الفكرية واعادة تشكيلها، وفقاً لشروط المرحلة الجديدة
ومتطلباتها، وأن اختفاء أو تأخر التبدلات الفكرية لا يعني بتاتاً عدم وجودها، فهي
تفعل فعلها في مكان آخر، أي في الاعماق وتمارس عملية تفكيك هادئة وطويلة المدى
للقواعد الفكرية ومن ثم فهي تعول في ظهورها متغيرة مستقبلا عند توفر الشروط
المناسبة. الا اننا يمكننا تلخيص اتجاهات التحولات الاجتماعية في العراق بما يلي:
اولا". المستوى الثقافي: حيث أفضت الاوضاع الاجتماعية الجديدة وما رافقها من
انفتاح كبير على الخارج، تمثل بتدفق التكنلوجيا في سيل هائل من الاجهزة
الكهربائية والالكترونية، وانتشار وسائل الاتصال الحديثة (التلفون النقال،
المحطات الفضائية والانترنيت) والسفر للخارج، كل هذه وغيرها من معطيات ساهمت
ايضاً في كسر احتكارية التوجيه المحلي الذي كان سائدا" قبل نيسان 2003، وأصبح
التكوين الثقافي للافراد والفئات الاجتماعية يخضع لمصادر توجيه متعددة، وكان من
الطبيعي أن تتسرب بعض الثقافات الاجنبية للداخل، بما يضعف من تأثير مصادر التوجيه
المحلية، ومن الطبيعي أن تغذي هذه الثقافات ميولات سياسية متنوعة وأحياناً
متنافرة، وقد تأخذ شكلاً تنظيمياً وصل الى حد الاقتتال. حيث انه في الوقت الذي
لعبت مصادر التوجيه الثقافي الخارجية في تهميش دور التوجيه المحلي، فإنها رهنت
المجتمع لكل التبدلات التي تمر بها ووفق اجندات تتماشى مع مصالحها، ولم يعد
المجتمع العراقي في منأى عن تأثير تلك التبدلات، سياسية كانت، أو ثقافية، أو
اقتصادية.
ثانيا. التحول السلوكي: حيث ان السلوك المجتمعي العراقي بدأ يأخذ منذ وقت قريب
هيئة تحول فكري خطير، فالتغير الكبير في البيئة الاجتماعية لا يعدو كونه سوى
مؤشراً بارزاً على احتمال تبلوره في تيارات فكرية احتجاجية، ستوجه صدماتها
للقواعد الفكرية وحقل اليقينات، وهذا التحول المشدود بالخارج يستمد قوته ومبرره
من احباطات الواقع، الذي يضيق ويتسع حسب قوة وشائج الصلة بأجزائه القريبة
والبعيدة، كما يستمد قوته ومبرره أيضاً من نجاحات الخصوم للمجتمع العراقي وهم في
في حالة المجتمع العراقي بات من الصعب فرزهم بشكل موضوعي عن القوى الفاعلة
والمؤثرة في حركة المجتمع العراقي نفسه، وهذه هي القنبلة الموقوتة التي قد يؤدي
انفجارها الى مالا يحمد عقباه
هل من سبيل لتقليل اخطار التحولات الاجتماعية؟
استنادا" لما سبق بحثه قد تبدو هذه الرؤية متشائمة جداً بالنسبة للبعض، لكونها
تصدر عن تحليل سلبي وفي ظاهره انهزامي للاوضاع الاجتماعية، ولكني، مع ذلك، أعتقد
أن تشريح الواقع واكتشافه يتطلب قدراً كبيراً من الجرأة والصرامة أحياناً، ولكن
بشرط معرفة كيفية التعاطي معه وتهيئة الشروط الضرورية للتحكم ولتنظيم مسارات هذه
التحولات الاجتماعية الغير طبيعية، وعند ذلك يصبح كل شيء ممكناً. ومن الجدير
بالذكر ان ثمة رهان كبير لدى نخبة من الاستراتيجيين والمفكرين المتابعين للحالة
العراقية بتراجع الذهاب الى نظام اجتماعي قائم على الانحياز للقوى والتيارات
والاحزاب التي ترفع شعارات دينية طائفية لاسيما بعد فشل تلك القوى في قيادة عملية
التحول الاجتماعي بالشكل الذي يخرج المجتمع العراقي من محنته ومعاناته وازماته
بسبب من مغالاتها في التعويل على الخيارات القهرية في اجراء عمليات التحويل
الاجتماعي، فذلك خلاف الطبيعية البشرية. كما إن البحث عن حلول سحرية يصبح مجرد
اعانة اضافية لمجابهة أخطار التحول المجتمعي الغير طبيعي الذي نجم بعد نيسان 2003
الا ان الخطوات التي يمكنه تقليل اخطار ذلك التحول يمكن ايجازها على النحو الآتي:
1- مراجعة شاملة وجريئة للوعي الثقافي والتاريخي العراقي، سعياً الى فهم واقعنا
وبحثاً عن أسباب نهوضنا والعمل على تحرير هذا الوعي من كل معوقات النهضة وهذه
المراجعة اذا ما تمت كفيلة بأن تحد من التأثيرات السلبية للموجات الفكرية السلبية
الغريبة عن المجتمع العراقي، شريطة أن تضع المراجعة الاصبع على مشكلاتنا
الحقيقية، وأن تتسلح بجرأة كبيرة في نقد ماضينا وحاضرنا، وفي نفس الوقت قادرة على
توفير حلول مناسبة لتسوية تناقضاتنا العاجلة والآجلة.
2- تصفية النزاعات الداخلية: ثمة نزاعات داخلية تحركها عوامل اجتماعية وسياسية
وايديولوجية، أفضت الى تصدعات في بنية المجتمع، وباتت تنذر بانهدامات خطرة، تلك
النزاعات القائمة على اساس الفروقات القبلية، أو الانتماءات الحزبية المتنوعة، أو
الاختلافات المذهبية.
3- إرساء تقاليد للحوار: فقد بات الحوار خياراً جماعياً وضرورة موضوعية تتطلبها
بالحاح الحالة المجتمعية في العراق اليوم. تتطلب تعميمها لتصبح لغة الحوار حاكمة
بين كافة فئات المجتمع، وبين المجتمع والدولة، إذ لا سبيل سوى الحوار من أجل
احباط مبررات العنف والتطرف والجريمة والتخلف.
4- بناء الثقة: إن بناء الثقة يستند إلى استشعار أخطار غياب الثقة، والاستعداد
المبدئي على ازالة اسبابها، ولعل من هم أهمها، الانحباس ضمن دوائر انتماء ضيقة
ايديولجية وقبلية ومذهبية، واعتبار دائرة الانتماء الاكبر والوحيدة هي دائرة
الوطن. لقد دفع المجتمع العراقي منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي ثمناً باهظاً
بسبب انعدام الثقة، دفعناها من أمننا الفردي والاجتماعي والوطني، ودفعناها من
امكانياتنا الاقتصادية، وقدراتنا البشرية، ودفعناها من استقرارنا السياسي،
ودفعناها من تطورنا العمراني، وبات الكل يبحث عن مصادر ثقة أخرى وفي الغالب
خارجية، وهي مصادر ليست حريصة على مصالحنا، بل مصلحتها في استمرار تمزقنا وتشظينا.
5- بث ثقافة نهضوية شاملة، تساعد على اكتشاف طاقات أبناءنا وتوجيهها في خدمة
مشروع البناء الحضاري لبلداننا، وتزرع روح المسئولية في كل أبناء المجتمع لجهة
تكريس الجهود الفردية والجماعية للانخراط في مشاريع التنمية، وسن قوانين جزائية
صارمة من اجل القضاء على الفساد الاداري المتسرب الى مؤسساتنا التربوية
والاقتصادية، ومنح المخلصين وأصحاب الكفاءات العالية فرص المشاركة في البناء
والاعمار، وتوفير الحوافز الضرورية من اجل تشجيع أصحاب رؤوس الاموال على استثمار
أموالهم في مشاريع اقتصادية تنموية تساهم في حل مشكلات راهنة كالتوظيف، كما تساهم
في بناء مستقبلنا الاقتصادي.