اطبع هذه الصفحة

 

 

المؤسسة العشائرية ومخاطرها في الظروف الراهنة

د. عبدالحسين محسن

  فتحت التطورات السياسية والاجتماعية، التي اعقبت سقوط الدكتاتورية، افاقاً واسعة للعمل السياسي والاجتماعي والمهني، حيث عادت الكثير من الاحزاب والقوى السياسية التاريخية لممارسة نشاطها العلني، كذلك ظهرت العشرات من الاحزاب والمنظمات النقابية والمهنية، الى جانب عدد كبير من الصحف والمجلات. كما بدأت تنشط المؤسسات التقليدية كالعشائرية والطائفية والقومية.

نحاول في هذه المقالة القاء الضوء على اسباب انبعاث المؤسسة العشائرية، ونتابع دورها في الظروف التي تلت زوال الدكتاتورية والمخاطر التي نتجت عن دخول المؤسسة العشائرية المعترك السياسي، فكما هو معروف تآكلت البنية الاجتماعية التقليدية للمجتمع خلال العقد الاخير من القرن العشرين نتيجة الحصار الدولي الذي فرضه مجلس الامن الدولي على العراق بعد غزو النظام الدكتاتوري للكويت 1990 وقد أسهمت السياسة الاستبدادية لطغمة صدام حسين في تعميق النتائج السلبية للحصار على البنية السياسية والاجتماعية، حيث تم الحد من تأثير الاحزاب الوطنية.

لقد لعبت عوامل عديدة في بروز الدور السياسي للعشائرية في الظروف الراهنة، سنحاول تبيان بعضها بالنقاط التالية:

* سقوط الدكتاتورية نتيجة حرب خارجية شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وبمساهمة محدودة من قوى المجتمع المدني، ونتيجة لذلك تم الحد من قدرة منظمات المجتمع المدني من القيام بدور فعال بعد السقوط.

* سياسة المناورة التي انتهجتها سلطة الاحتلال مع الاحزاب والقوى السياسية، حيث عملت على اضعاف وحدتها وتهميش دورها السياسي من خلال مساعيها للمساومة مع المؤسسة العشائرية وتقديم المكاسب السياسية لها عبر اعطائها دوراً كبيراً في مؤسسات السلطة التي كونتها بعد سقوط الدكتاتورية. ان الهدف من هذه السياسة كسب قاعدة اجتماعية ترتبط بسلطة الاحتلال ومشاريعها اللاحقة في العراق.

* استمرار حالة الفوضى في مؤسسات الدولة وعدم الاستقرار الامني اديا الى تغيير طبيعة التحالفات السياسية، حيث اتجهت القوى السياسية الجديدة والتي لا تمتلك تاريخاً سياسياً او قاعدة اجتماعية واسعة، الى عقد تحالفات سياسية مع اطراف المؤسسة العشائرية.

وابدت المؤسسة العشائرية فعالية سياسية نشطة بعد سقوط الدكتاتورية حيث استطاعت تنظيم نفسها، عبر العديد من التجمعات والتحالفات، الامر الذي ساعدها للقيام بالعديد من المبادرات السياسية والجماهيرية مستفيدة من دعم سلطات الاحتلال وضعف تحرك الاحزاب السياسية.

ولابد من التأكيد على ضرورة التخلي عن الاوهام النابعة من امكانية الاستفادة من بعض اشكال الوعي الاجتماعي التي فات اوانها (كالعشائرية والطائفية) التي تجاوزها تطور البنية الاجتماعية والتقدم الحضاري، حيث ان العشائرية صنو الطائفية لا يمكن ان تحل أزمة المجتمع العراقي الراهنة، فانها وان ساهمت في النضال المعادي للدكتاتورية فانها تحول الصراع في المجتمع الى صراع عشائري، الامر الذي يسبب مزيداً من التفتت والويلات.