تعاني الدول
النامية عجزاً في غذائها يتمثل في قصور الإنتاج الغذائي المحلي عن تغطية الطلب
المحلي على الغذاء وذلك نتيجة العديد من المعوقات والمشكلات، لعل من أبرزها
محدودية الموارد الزراعية وتخلفها في تلك الدول، وتدني المستوى التقني المستخدم
في الإنتاج، واتجاه الطلب الغذائي للزيادة بمعدلات مرتفعة, في ضوء معدلات النمو
السكاني العالية في تلك الدول، والتحسن النسبي في مستواها المعيشي.. ومن المتوقع
أن تزداد حدة المشكلة الغذائية في الدول النامية في ظل تحرير التجارة العالمية
للغذاء، توافقا مع اتفاقية التجارة الدولية، وكذلك ارتفاع أسعارها، مما يعني
زيادة المنافسة من المنتجات الغذائية المستوردة لنظيرتها المحلية،
وكذلك ارتفاع أسعارها، مما يعنى زيادة أعباء فاتورة الغذاء للدول النامية. ولا شك
أن هذه الأزمة الغذائية تؤدي إلى العديد من النتائج والمخاطر والسلبيات التي تؤثر
بشكل خطر في أمن هذه الدول سواء الغذائي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.
ولمواجهة هذه المشكلة فإن كل الدول النامية قد اتجهت ولو بدرجات مختلفة نحو حل
المشكلة الغذائية وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأمن الغذائي المحلي. وذلك من خلال
برامج وخطط التنمية الزراعية.. ولهذا يجب تبني خطط تنمية زراعية طموحة ضمن خطط
تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة ومستديمة، وذلك لتحقيق عدة أهداف، ومن أهمها
الوصول لأكبر قدر ممكن من الأمن الغذائي المحلي، ولا يقتصر دورها على المستوى
المحلي فقط، بل تمتد جهودها التنموية إلى كثير من دول العالم خاصة العربية
والإسلامية، استنادا إلى القناعة التامة بأهمية وضرورة تحقق الرخاء والأمن والخير
والعدالة لكل البشر.
قد يكون من المناسب تعريف وتأصيل المفاهيم المرتبطة بهذه المقالة مثل مفاهيم
الأمن الغذائي وعلاقته بالتنمية الزراعية والتنمية المستدامة.. وتعدد تعاريف
الأمن الغذائي نتيجة تباين وجهات النظر لهذا المفهوم، حيث يركز البعض على أن
الأمن الغذائي يعنى "قدرة وطن أو إقليم معين على توفير الاحتياجات الغذائية
الضرورية في الحالات الحرجة والطارئة الاستثنائية".. معنى أنها تركز على مفهوم
التخزين فقط وظرفية الهدف ومن ثم على بعض السياسات الجزئية لهذا المفهوم.. ويرى
فريق آخر أن مفهوم الأمن الغذائي يعني " قدرة الحكومة أو الإدارة الإقليمية على
توفير أهم السلع الغذائية الإستراتيجية للسكان في وقت الحاجة بالكمية والأسعار
المناسبين ويرى فريق ثالث أن هذا المفهوم يعني" توفير الغذاء الكافي لضمان حياة
صحية ومنتجة لجميع المواطنين في جميع الأوقات" ويربط البعض بين مفهوم التنمية
الزراعية والأمن الغذائي.. حيث يرى أن الأمن الغذائي يمثل الجانب السياسي القومي
من التنمية الزراعية وأهدافها وهو يسهم بالسعي نحو تقليص الفجوة بين الطلب على
المنتجات (أو الاحتياجات الاستهلاكية) الغذائية ومستلزمات إنتاجها وبين ما ينتج
منها فعلا، وذلك بغرض تخفيف الاعتماد على العالم الخارجي في توفير الاحتياجات
الغذائية وخاصة الأساسية منها، ومن ثم تجنب التعرض لضغوط التبعية الخارجية.
ويتضح من تحليل واستعراض هذه التعاريف لمفهوم الأمن الغذائي أنها جزئية حيث إنها
تركز على جانب أو أكثر من جوانب هذا المفهوم دون النظرة الشمولية له، وعلى هذا
فيمكن اقتراح التعريف التالي لمفهوم الأمن الغذائي والذي يشكل أهدافه ووسائله
ونتائجه، ولعل شمول هذا التعريف يكون هو المعيار والفيصل للحكم على مختلف الأهداف
والسياسات والبرامج والنتائج المرتبطة به من حيث علاقتها بهذا المفهوم من ناحية
وكذلك مستوى النجاح والفشل في تحقيقه من ناحية أخرى حيث إن غياب أو نقص هذا
الشمول يؤدي إلى اختلاط وتداخل الأمور.
ويعرف الأمن الغذائي في وطن معين أو إقليم معين بأنه " أحد المكونات الإستراتيجية
للتنمية الزراعية، والواردة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة،
والذي ينطوي على العديد من السياسات والبرامج والمشروعات التي من شأنها زيادة
إنتاجية السلع الغذائية الأساسية من خلال الاستخدام الأمثل للموارد المحلية
المتاحة والقضاء على كل صور الفقد والتلف لكل السلع الغذائية ابتداء من المنتج
وانتهاء بالمستهلك وترشيد الاستهلاك في صوره كافة لكل السلع الغذائية وتحسين شروط
التبادل التجاري لتلك السلع ومستلزمات إنتاجها، سواء أكانت تصديراً أم استيراداً،
مع المحافظة على التوازن البيئي، ومنع التلوث بمختلف صوره وأشكاله، وذلك في ظل
تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلالية وتقليص التبعية الخارجية، مستهدفا بذلك توفير
هذه السلع الغذائية بكميات ونوعية كافية لمجموع السكان في مختلف مناطق تواجدهم
وبأسعار موافقة لمستويات دخولهم بصورة مستمرة ومستديمة".
ويتضح من هذا التعريف العلاقة" العضوية" بين مفهوم الأمن الغذائي والتنمية
الزراعية المستمرة، وأنه أحد مكوناتها، ومن ثم فإنه لا يمكن تحقيق الأمن الغذائي
بلا تنمية زراعية مستدامة، وفي نفس الوقت فإن التنمية الزراعية هي إحد مكونات خطة
التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستديمة، وتعني التنمية المستدامة أو
المستديمة Sustainable Development الزيادة في النمو الاقتصادي مقاسا بإجمالي
الدخل الوطني في ظل المحددات التالية:
(1) أن المحيط الحيوي للإنسان (كل الكائنات والمخلوقات) يمثل محددا للنمو
الاقتصادي.
(2) أن الحفاظ على البيئة وتوازنها أحد الأهداف المهمة للنشاط الإنساني بجانب
النمو الاقتصادي.
(3) أن العلم والتقنية لا يصلحان منفردين لقيادة التطور أو الحضارة الإنسانية.
(4) ضرورة التوزيع العادل والمساواة بين جميع البشر سواء على مستوى الأجيال
الحالية أو الأجيال المستقبلية.
(5) ضبط معدلات النمو السكاني مع التركيز على تنمية رأس المال البشرى.
الاستراتيجية العراقية لتحقيق الأمن الغذائي
تستند هذه الاستراتيجية إلى عدة ركائز محورية هي:
نظرة ديناميكية تتمثل في الاستفادة القصوى من كل إمكانات العلم الحديث والتقنية
المتطورة في العالم بأسره.
- اعتبار أن الإنسان العراقي هو الهدف والوسيلة في أية عمليات تنموية.
- التخطيط للتنمية طويل المدى على أن يتم ذلك من خلال خطط خمسية تأخذ في اعتبارها
مختلف المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المحلية والدولية.
- توازن التنمية وشمولها واستمراريتها، بمعنى أن تضم كل قطاعات الاقتصاد وأنشطته،
وكذلك كل المناطق الجغرافية، وتشمل مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك
التوازن البيئي، وذلك بصورة مستدامة.
- الحرية الاقتصادية ومبادئ الاقتصاد الحر.
وبهذا يجب وضع خطة تنموية شاملة يحدد لها مدى زمني، كأن تكوت الخطة التنموية
الخمسية الاولى للسنوات من 2008 ولغاية 2013.
ستراتيجية الأمن الغذائي والتنمية الزراعية:
عند تحليل ستراتيجية التنمية الزراعية وما تتضمنه من سياسات وبرامج لتحقيق الأمن
الغذائي يتضح عدة حقائق مهمة وأساسية منها:
(1) شمول وتكامل سياسات وبرامج الأمن الغذائي.
(2) التركيز على دور القطاع الخاص في التنمية الزراعية والأمن الغذائي مع كل صور
الدعم والتشجيع له.
(3) ارتفاع مقدار الدعم الموجه للتنمية الزراعية ومن ثم الأمن الغذائي بمستوى
قياسي وخاصة في سنوات محدودة.
ويجب تضمن خطة التنمية الزراعية السياسات المستهدفة تحقيق الأمن الغذائي العراقي
ومنها:
1- تغيير مفهوم واهداف وزارة الزراعة من زراعة الارض وفلاحتها الى مفهوم انتاج
الغذاء والتنمية الريفية.
2 - دعم الإنتاج الزراعي والغذائي، إما من خلال دعم أسعار بعض المنتجات الزراعية
الغذائية، أو دعم مستلزمات إنتاجها.
3- توفير التمويل اللازم والكافي وبشروط ميسرة.
4- تنمية الموارد البشرية، من خلال إنشاء مراكز البحوث ومراكز وبرامج التدريب
والإرشاد الزراعي.
5- إقامة مشروعات البنية الأساسية والمرافق العامة مثل الأسواق والطرق الزراعية
والسدود والآبار والمخازن المبردة وصوامع الحبوب وتجميع وتحليل البيانات
والإحصاءات الزراعية.
6- التكامل الأفقي والرأسي للقطاع الزراعي.
7- إعفاء مستلزمات الإنتاج الزراعي من الرسوم الجمركية، وعدم وجود ضرائب دخل،
وكذلك الحماية الجمركية لبعض المنتجات الوطنية التي حققت مستويات عالية من
الاكتفاء الذاتي.
8- دعم المستهلك النهائي من خلال دعم أسعار المواد الغذائية المستوردة