في الازمة تظهر الحكمة. هكذا يقال عادة في
محافل الحياة كافة بما في ذلك المستوى الشخصي ولن نلجأ لطبيعة وطريقة ادارة ازمات
البلد منذ سقوط الدكتاتورية في 9/4 /2003 وهذا حديث طويل ومحزن، ولكن لننظر الى
الازمة الحالية المتعلقة بالتهديدات التركية لغزو اراضٍ عراقية في منطقة كردستان
بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني p.k.kباعتبار الحزب منظمة ارهابية من
وجهة نظر الحكومة التركية وتحولت التهديدات الى تحركات علنية وعملية على الارض
بمختلف صنوف الاسلحة وعلى لسان كبار المسؤولين الاتراك ونقول ايضا لن ندخل في
الخلفيات التاريخية لمثل هذه التحركات سواء كانت من تركيا او من دول الجوار
الاخرى
بل حتى من العراق تجاه جيرانه ولكننا نسأل الحكومة والبرلمان والاحزاب السياسية
الوطنية بمختلف تلويناتها الفكرية والايديولوجية سؤالا محددا وهو:
كيف تعاملتم وتتعاملون مع ازمة خطرة من هذا الطراز يتعرض فيها الوطن للخطر؟
والوطن هنا ليس بمعنى الجغرافية والحدود فقط وانما بمعنى حاضره ومستقبل عمليته
السياسية القيصرية القائمة الان بكل تعثراتها وانجازاتها وان كانت هذه الانجازات
تحتاج الى جهد جهيد لاقناع المواطن العراقي البسيط بانها انجازات!
ان قراءة اولية للصورة التي تشكلت وافرزتها ازمة التهديد التركي تولد لدينا
انطباعا اوليا وصحيحا بان الاطراف العراقية المعنية بمستقبل العراق وعمليته
السياسية قد تعاملوا مع هذا التهديد (الازمة) برؤية مشوشة غير واضحة المعاني
وتفتقد الى عقلية العمل السياسي الاحترافي الستراتيجي في ازمة عنوانها الوطن في
خطر.
وهنا لا نستثني احدا. لقد تحولت مواقف مواجهة الازمة الى مواجهة تصفية حسابات
وانتقادات وتوريط وتشفٍ ولا مبالاة وخوف وتهدئة وانتظار المعجزة من الاخرين (كلا
على ليلاه) لم يكن هنالك عمل منهجي مبني على اساس الاجابة على السؤال الاول:
لماذا تحركت تركيا الان بهذا الاتجاه؟
والانتقال للاجابة على السؤال الثاني ماالذي تريده تركيا من هذا التحرك؟
ثم الاجابة على السؤال الثالث كيف نرمي خلافاتنا خلف ظهورنا او نؤجلها ونقف صفا
واحدا في مواجهة الازمة بروح المسؤولية والخوف على الوطن ومستقبله واضعين خطوتنا
الاولى على ارض صلبة لا زلق فيها؟
واذا افترضنا ان جواب السؤال معروف عند طرف وجواب السؤال الثاني مكشوف عند طرف
اخر فاعتقد بان الجميع قد وقفوا مكتوفي الايدي اما الاجابة على السؤال الثالث فلا
يعرفون ماذا يفعلون وكيف يتوحدون من دون اجتهادات من يده في النار والاخر في
الماء البارد وخلفيات بيتي لم يحترق بعد!
هل يدرك السياسيون العراقيون ان المواطن العراقي يقف مذهولا امام روحية مواجهة
هذه الازمة.. روحية الاستخفاف بالتاريخ والجغرافية والحاضر والمستقبل.. روحية
اقتناص المكاسب بلحظات يعتقد البعض انها ضعيفة ورخوة في هذه المنطقة او تلك في
الجسد السياسي العراقي المتعدد الأنشطارات ويسأل هل حقا هؤلاء الذين يتصدون
لسياسة البلد ويواجهون الازمة بهذه الطريقة التي تدعو للاسى؟
في حرب الخليج الثانية اختفى الجمهوريون والديمقراطيون من ساحة الخلافات وبرزت
المصالح العليا الحيوية للولايات المتحدة الامريكية في مواجهة الازمة وبعد ان
هدات العاصفة وتحققت الاهداف السياسية لامريكا جلس الفرقاء يختلفون ويتناقشون
ويبحثون عن المكاسب كان ذلك عام 1991 على المستوى العالمي.
وعربيا اصطف لبنان بكامله خلف جيشه الجديد في مواجهة منظمة فتح الاسلام في مخيم
نهر البارد ووضع الجميع خلافاتهم المستحكمة منذ سنوات وسنوات على رفوف عالية
واغلقوا ملفات المكاسب لسبب بسيط وواضح هو ان وطنهم لبنان كان في خطر وما ان
انتهت الازمة وحقق الجيش أهدافه حتى عاد الجميع مرة اخرى للاختلاف والحوار
والانتقاد ولي الاذرع.
هذا هو المنطق الوطني الحقيقي وهذا ليس تقريعا لاحد لكنها كلمات وافكار تدعو
للعمل السريع والجاد والمسؤول والوطني من اجل مواحهة الازمة واحتوائها وتفكيك
عناصرها ثم حلها ورفع فتيل تفجيرها بعيدا عن تغليب الصراعات الثانوية على الموقف
الاساسي لانقاذ الوطن من الخطر.
اختبار حقيقي امام القوى السياسية العراقية الحريصة على وحدة الوطن وحاضره
ومستقبله ليثبتوا انهم اهل لقيادة البلد الى شاطئ الامان واخيرا نسأل:
هل اجتياز هذا الامتحان يمر عبر تأخر مجلس النواب في التصويت على مشروع قرار يرفض
التهديدات واحتمالات الاجتياح التركي؟
انه مجرد سؤال