اطبع هذه الصفحة

 


طك بطك

 عريان السيد خلف 

 

 كل ايام الله عيد

 رحم الله الجواهري الخالد.. وهو يتنبأ بالاحداث قبل حدوثها ويستنتج الوقائع من خلال الأحداث.. بحسابات الفطن المبصر الذي يزن الاشياء بميزان العقل الدقيق.. وفي خضم غلواء الأباطرة والجبابرة والعتاة قال:

وسيحشرون وجوههم سود

 وحشو انوفهم إرغام

أو قوله رحمه الله:

تصوّر الأمر معكوساً وخذ مثلاً

 ماذا يحل بنا لو إنهم نصروا

تالله لأقتيد زيدٌ بإسم زائدةٍ

 ولابتلى عامرٌ والمبتغى عمر!!

تلت هذه التنبؤات فواجع وويلات ومفارقات لا حصر لها فقد كنا في السجن نسمع قصصاً من هذا النوع مضحكة لحد البكاء وكان معنا في نفس القلعة أحد الموقوفين واسمه (خمْيس)، وخميس هذا دمث الخلق واسع المدارك بهي الطلعة سريع البديهة.. فهو مايكاد يكلمك حتى تجد نفسك تقهقه ولو كانت عندك مصيبة سألناه مرة.. ما هي قضيتك وكيف اعتقلت، وكيف جرى التحقيق معك؟ ضحك طويلاً ثم قال:

انها ضريبة الأسماء!!

كان في محلتنا رجل ربطتني به علاقة طيبة وكان اسمه (جمعة) وقد تطورت علاقتنا كثيراً بحيث بتنا لا نفترق الا نادراً.

وكان صديقي "جمعة" شغوفاً بالقراءة والمطالعة.. ولم التق به يوماً دون أن اراه يتأبط (شراً) عفواً كتاباً.. ولا يتحدث الا عن بودلير.. ورامبو.. وشكسبير وهمنغواي والليندي.. ومكسيم غوركي.. وتولستوي وآلاف الاسماء والعناوين.. مما اغراني شيئاً فشيئأ لأن استعير منه بعض هذه (العلل) وأتفحصها حتى انتقلت لي العدوى سريعاً.. وصرت اهرع كل صباح جمعة الى شارع المتنبي لا نتقي ما اجده جديداً.. واعود به فرحاً الى البيت وكأنني  اشعر بحافز المنافسة مع صديقي (جمعة).

بعد انقلاب (شباط) الاسود.. دوهم بيت (جمعة) ولكن الرجل استشعر بالخطر قبل وقوعه، وفرّ دون ان يترك له اثراً يُذكر.. وهكذا لم يجدوا بديلاً غيري..

بعد عودتي من جلسة مع بعض الاصدقاء والمعارف في ساعة متأخرة من الليل وقبل ان ابدّل ملابسي داهمني اكثر من عشرين مدججاً.. ووضعوا الحديد في يدي واقتادوني الى احدى دوائر التحقيق معصوب العينين، ناشف الشفتين.. ثم انهالت عليّ الركلات والبوكسات والصوندات وانا أصرخ.. ليش؟ ليش؟

قال لي احدهم بعدما نطحني برأسه الضخم.. ألم تدري يا (جمعة) أنك اتعبتنا في البحث عنك.

وهنا صرخت باعلى صوتي: آنه مو (جمعة) آنه اسمي (خميس).. فعالجني الثاني بركلة وهو يقول: يلله ما كو فرق كل ايام الله عيد!!