سيبقى الشرق الاوسط
بؤرة للتوتر وعدم الاستقرار في العالم ومصنعاً لتصدير التطرف والارهاب ما لم
يعالج وبجدية ملف حقوق الانسان ومن ضمنه حقوق الاقليات وتبقى الحلول العسكرية
والقسرية وكل التسويات المجتزأة والحلول الدولية التوفيقية والمبنية على المصالح
عاجزة عن نزع فتيل الازمات وهي معالجات آنية لمشاكل مستعصية ستكون نتائجها عكسية
في المستقبل القريب وهذا ما سيدفع المنطقة الى الانهيار والفوضى العارمة والتي
ستعيد رسم الخارطة السياسية من جديد ولكن بعد ان تدفع المنطقة وشعوبها الثمن، في
هذا السياق يمكن تناول التصعيد التركي الاخير تجاه مقاتلي حزب العمال والاصرار
على ملاحقتهم داخل الاراضي العراقية في محاولة غزو مع سبق الاصرار حيث لوح القادة
الاتراك ومنذ سنوات بهذا الغزو وقاموا باكثر من محاولة وهنا لا يمكن قراءة اسباب
هذا التصعيد بمعزل عما تعانيه تركيا والمنطقة،
وفي الشأن التركي وهو ما يعنينا نلاحظ ان تركيا تعاني قلق الانتماء وهذا ما انتج
النفس الشوفيني وافقدها القدرة على حل مشاكلها فمنذ ان صوتت الجمعية الوطنية
التركية في تشرين الاول من عام 1923 على اعتبار تركيا جمهوريه وانتخاب مصطفى كمال
رئيسا لها ثم التصويت على الغاء الخلافة العثمانية في آذار من عام 1924 ونفي
الخليفة عبد المجيد الى سويسرا بدات معاناة الاتراك مع الانتماء بعدما كانت
مشدودة ولقرون عديدة الى الشرق تم جذبها بقوة نحو الغرب ومحاولة الغاء الماضي بكل
تفاصيله وبداية عملية تأسيس لحاضر مشحون ومستقبل غامض والعيب ليس بالتغير كمبدأ
وانما في الآليات القسرية التي اتبعت، وبذلك لم يكن تحولا سلسلا وطبيعيا فمهمة
التخطيط واتخاذ القرار حكرا على الرئيس والطبقة الارسطوقراطية الجديدة التي حلت
محل الباشوات والباكوات وهم من العسكر ورجال المقاومة الشعبية والذين تم تحويلهم
الى حزب سياسي منظم اطلق عليه حزب الشعب وهو الوحيد الذي اجيز للعمل في تلك
الفترة هؤلاء كانوا يقررون وعلى الامة الطاعة وتعقدت الامور بعد وفاة اتاتوك عام
1938 وهذا اللقب يعني ابو الاتراك، جرت بعدها محاولات عديدة لسد هذا الفراغ واغلب
هذه المحاولات سيطرت عليها النزعة العسكرية وذلك من اجل صنع اتاتورك جديد يخرج
الامة من حالة اليتم التي تعيشها وابقاء قبضة العسكر تمسك بزمام الامور تحت شعار
حماية العلمانية والمبادئ الاتاتوركية وهذا ما سبب احراج للتجربة التركية لانها
مازالت مرتبطة بالشرق خاصةً في جوانبه المظلمة من كبت للحريات ومصادرة حقوق
الانسان وقمع الاقليات، ومحاولاتها الانضمام للاتحاد الاوربي وهذا الانضمام له
استحقاقات كثيرة لا تستطيع تركيا الوفاء بها وقد انتقد هانز جورج كلايتستمر مبعوث
الاتحاد الى انقره تدخل العسكر في الامور السياسية والحديث في تفاصيلها ابتداء من
شؤون التعليم الى المسائل الدينية، وكانت المؤسسة العسكرية قد تخلصت من اربع
حكومات تركية على مدى الخمسين عاماً الماضية هذه المؤسسة تريد ان تبقى في الواجهة
دائما وتسعى دائما الى صناعة الازمات وتصديرها، وهنا كان ربطها مابين مشكلة
مقاتلي حزب العمال ومشكلتها مع قرار مجلس النواب الامريكي والذي اجازت فيه لجنة
الشؤون الخارجية قرارا يعتبر مجزرة الارمن ابان العهد العثماني خلال الحرب
العالمية الاولى إبادة جماعية والذي تزامن مع مقتل ثلاثة عشر جندياً تركياً في
اشتباكات محافظة سيرناك جنوب شرق البلاد وهم الان بانتظار موافقة البرلمان لشن
عمليات عسكريه عبر حدود كردستان العراق ولهذا التدخل ابعاد عديدة غير ملاحقة حزب
العمال اهمها الضغط على الادارة الامريكية من خلال ارباك عملها في العراق سياسيا
ولوجيستيا، لاسيما ان الجهد العسكري الامريكي في العراق يمر من هناك وحسب تصريحات
غيتس فان سبعين في المائة من الشحنات الجوية العسكرية والوقود تمر عبر تركيا وكي
لا تتعرض الادارة للابتزاز السياسي كانت تبحث منذ زمن عن منافذ جديدة نظرا لتنامي
الاعتماد على تركيا في المرحلة الراهنة وتريد تركيا من هذا التصعيد ايضا محاصرة
اللوبي الارمني الذي بدأ يتنامي في الولايات المتحدة وكذلك ان تدخل كلاعب اساسي
في الترتيبات التي تجريها اميركا بخصوص العراق خاصة فيما يتعلق بالاقاليم والمادة
مائة واربعين من الدستور المتعلقة بكركوك ومحاولة التدخل بالشأن العراقي والضغط
على الحكومة العراقية من خلال تهديد اراضيه، والمتابع للخطاب التركي في السنوات
الاربع الاخيرة يرى نبرة التهديد بالتدخل بمناسبة ودون مناسبة وانها تركت القضية
الكردية دون حل لاستخدامها كورقه ضغط فهي ترفض كل الحلول السلمية وآخرها رفض رئيس
الاركان الجنرال يشار بويكانيت لمبادرة حزب العمال لوقف القتال من جانب واحد
وتوعد بالقضاء عليهم،وترى تركيا تتحرك باتجاه واحد فقط وهو الاكراد والعراق رغم
ان مشكلة الارمن ليست جديدة فبعد اعلان فوز الكاتب التركي اورهان ياموك بجائزة
نوبل للاداب عام 2006 وكان الكاتب قد اعتقل في تركيا لدى حديثه عن قتل مئات
الآلاف من الارمن خلال الحرب وقتل الاكراد فيما تلاها من سنين وبعد قضية ياموك
قام البرلمان الفرنسي بالمصادقة على مشروع قانون يجرم انكار تعرض الارمن لمذبحه
على يد الاتراك العثمانيين وتقول ارمينيا ان الاتراك قتلوا مليون ونصف من الارمن
عام 1915 وهذا ما تنفيه تركيا، اذا العملية اكبر من ملاحقه بضعة الالاف من مقاتلي
حزب العمال رغم ادراك الاتراك فشل الحلول العسكريه وقد جربوا ذلك اكثر من مرة وصل
التحشيد في احداها الى اكثر من خمسين الف جندي ولم تحقق اي نتائج تذكر، فاذا كان
الهم الامني التركي هو اصل التصعيد الاخير لماذا لا تطارد الجماعات المسلحة
الاخرى ولماذا لا تهدد دولا حدودية اخرى فيها عناصر من حزب العمال وهي مصدره أيضا
لتنظيم القاعدة الارهابي والذي هو اخطر بكل المقاييس وقد سبق للشرطة التركية ان
القت القبض على زعيم تنظيم جبهة المحاربين للشرق الكبير ومجموعته وهو مرتبط
بالقاعدة وكان مسؤول عن عمليات تفجير معبدين يهوديين والقنصلية البريطانية وبنك
بريطاني في اسطنبول عام 2003 رغم معرفة تركيا اين توجد منابع الارهاب في المنطقة،
لذلك على القيادة التركية ان تعالج ازماتها داخل حدودها لا خارجها وتعطي للحلول
السلمية الوقت الكافي لان العمل العسكري لا يلغي مجزرة الارمن ولا يوقف هجمات حزب
العمال، ويكمن الحل بوقفة جادة من كل الاطراف العراقية والتصدي للتصعيد التركي
لانه تهديد للمشروع الحضاري العراقي ومحاولة لافشال تجربته الديمقراطية فلا بد من
الدعوة لمؤتمر برعاية الامم المتحدة تحضره جميع الاطراف لحل المشاكل العالقة وعلى
الاتراك ان يحسموا امرهم ويفضوا الاشتباك في مسالة الانتماء وعلى الاتحاد الاوربي
ان يحذر تركيا من غزو كردستان العراق واعتباره القشة التي تحرم تركيا من الانضمام
الى الاتحاد الاوربي وهي محاولة لمنعهم من تصدير ازماتهم، وهذا دور الحكومة
العراقية والادارة الامريكية والاخيرة هي الطرف الاخر في الازمة الاخيرة.