اطبع هذه الصفحة

 

 

 الوجود الامريكي في العراق أسئلة تبحث عن أجوبة

 حليم الاعرجي


لا اريد ان اكون متسرعاً وأصدر حكماً في قضية فيها من التعقيدات والغموض الشيء الكثير، غير اني في ذات الوقت اجد ان السكوت عن الحق جريمة في مثل ما نحن فيه من ظرف قاسٍ وخطر وتتوقف على نتائجه السلبية والايجابية الكثير من الامور بالغة الاهمية والتي تحدد طبيعة وشكل مستقبل العراق على المدى المنظور وغير المنظور.
انا، وغيري من المواطنين العراقيين، نقف للحظات مشدوهين حيال ما تقوم به الولايات المتحدة الاميركية في العراق، فهي في الوقت الذي تعلن فيه حربها الضروس ضد الارهاب العالمي، وتعرض جيشها وسمعتها ودورها التاريخي على مستوى القيادة العالمية في اطار النظام الدولي الجديد للخطر، فانها تطبق ستراتيجية تثير الكثير من الاسئلة المحيرة.

اعترف، اني كنت وما زلت ارى في التصرف الاميركي حيال ما يجري في العراق الكثير من الغموض، والغموض هنا يفسر لغير مصلحة الوجود الاميركي في العراق. والذي ينبغي كما يفترض ان يحمل قدراً من الشفافية، ليتقارب المعلن مع المخفي. وظل دائماً ثمة سؤال كبير من نوع: ترى لماذا لا تحسم اميركا الموقف وتنتزع شعب العراق المظلوم من دوامة العنف والارهاب، وتفي بوعودها، وعهودها؟ يشغل بالي وبال الكثيرين من العراقيين المنكوبين، يتبعه سؤال آخر لا يقل عن الاول اهمية.. ترى الا تريد الولايات المتحدة الاميركية الخروج من العراق وهي مرفوعة الرأس بفخر وزهو، تستطيع بهما ومن خلالهما التأكيد على دورها الايجابي الخلاق، كدولة راعية لحقوق الانسان وحقوق الشعوب متفانية من اجل استيعاب الامن والاستقرار الدوليين والبرهنة على صدقيتها فيما تعلنه وتتعهد به وتتعاطاه على صعيد حرية الشعوب واحترام سيادتها وحقها في الاختيار وتقرير المصير؟ ويأتي الجواب في كثير من الأحيان محيراً وغير ملب لرغبة المعرفة والوصول إلى الحقيقة.
ان المحير تماماً، هو هذا التناقض الواضح بين ما تتمتع به أميركا من سيطرة وتحكم في منطقة الشرق الأوسط، وارتباط دول المنطقة ومن دون استثناء بالعجلة الأميركية وبشكل مباشر، وبين ما هو ماثل أمامنا من مأزق أميركي حقيقي في العراق سببه المباشر، تلك الدول المرتبطة بالأجندة الأميركية باستثناء ايران وسوريا اللتين تدعيان الاستقلال عن الاجندة الاميركية رغم الاحتواء الاميركي لسياساتهما التي يشكل في الغالب عنصر رد الفعل النسبة الأكبر. في حين لوعدنا إلى ما قامت به اميركا في اميركا اللاتينية في النصف الاول من القرن الماضي، لوجدنا ان مبدأ التضامن معها من قبل الآخرين كان هو الاطار الذي شكل العنصر الاكثر فعالية في معالجاتها لحوادث هددت بتداعيات خطرة على النظام الامني على مستوى القارة الاميركية الجنوبية. وكذلك الحال بالنسبة لجنوب شرقي آسيا في الحرب الفيتنامية أو الكورية أو الكمبودية، فقد كان لحلف جنوب شرقي آسيا دور ايجابي كبير لمصلحة اميركا. اما الامر في العراق فمختلف، حيث تقف دول شرق أوسطية تموت كالسمكة اذا خرجت من المياه الاميركية. ومع ذلك، فهي تجند كل امكانياتها الاعلامية من اجل قلب الحقائق وتسطير الاكاذيب وحبك القصص الخيالية، فيما تبذل دولة اخرى ان قالت لها اميركا اصمتي فانها لا تفتح فمها إلا بعد ان تقول لها تكلمي. ومع ذلك فهي تفخخ وتحزم وتدفع بالمئات من المرتزقة وتحرض على الفتنة. وتضع الحطب فوق النار. فما الذي يحدث وكيف يوفق المرء بين تلك الحقائق وبين الممارسات الفعلية..؟ سؤال قد تعثر عليه في محالات بحثية مستمرة ومتواصلة.
ولابد للمراقب عن كثب لموقف الولايات المتحدة الاميركية، من ان يتساءل: ترى أهي فعلاً عاجزة عن انقاذ العراق من الوضع المأساوي الذي يعيش فيه منذ اربع سنوات بالتمام والكمال أهي فعلاً لا قولاً عاجزة عن منع دول الجوار والدول المتاخمة للعراق من القيام بالتدمير المتواصل لامكانيات العراق وقدراته وذبح شعبه؟ هل يعني ذلك ان اميركا عاجزة ام انها تفتعل العجز لأسباب ودوافع غير ظاهرة للعلن؟ وقد يكون احدها، كراهية وعدم ارتياح للوجود العراقي. غير ان ما هو ماثل امامنا لا يعطي فسحة كبيرة لاحتمالات مختلفة ومتنوعة. فليس ما بين الشعبين الاميركي والعراقي ما يبرر ذلك، فالشعب الاميركي ومن خلال جملة من الشواهد، يكن الاحترام والتقدير للشعب العراقي باعتباره وريث حضارة كان لها الفضل الكبير على العالم في الوصول إلى ما وصل إليه. وبالمقابل فان الشعب العراقي هو الآخر ينظر إلى الشعب الاميركي نظرة تقدير وأحترام، معتبراً ان قرار الغزو لم يكن بدوافع غير نبيلة وغير مبررة. وحتى على مستوى القيادة الاميركية، فان مشاعر الود والاحترام تميز الخطاب الاميركي على مستوى البيت الأبيض وغيره، ولعلنا لن نخطئ التشخيص اذا قلنا، ان الرئيس الاميركي بوش ينطلق في كل طروحاته من اعتبار نفسه صديقاً صادقاً وثابتاً للعراق. اذن كيف يمكن ان نفهم ما يجري..؟ وكيف نفسر موقفاً أثار ويثير الكثير من الحيرة والتعجب؟!!
ان من بين اكثر الامور اثارة للحيرة، هو ذلك الموقف الذي لا يمكن ان يوصف بغير اللا مبالاة واللا اهتمام، انه: التحريض والتشجيع المبطن والمعلن لأولئك الذين يثيرون الكثير من اعمال العنف ضد المدنيين الآمنين وعمليات التطهير العرقي الجارية في الكثير من مناطق بغداد والسكوت عن عمليات القنص المستمر في مناطق عديدة ومختلفة في بغداد، حتى بات من السهل على أي شخص يملك بندقية قنص ان يمارس عمليات القنص دون خشية أو خوف، أو وجل، يقتل الناس بدم بارد. حتى اخذ الناس يظنون مختلف الظنون ومن بين تلك الظنون، ظن التواطؤ الاميركي مع القناصة. وإلا هل علينا ان نلغي عقولنا حتى نصدق كذبة ان اميركا غير قادرة بما تملكه من وسائل استمكان وسيطرة وتحكم رقمي على القيام بعملية وضع حد لهؤلاء القتلة من الاستمرار في جرائمهم القذرة. وإلا كيف يمكن ان نفسر مرور الدوريات الاميركية على مناطق انطلاق عمليات القنص دون ان تكترث لذلك، وليس ذلك وحسب، بل انها وبحسب ما يقوله افراد الجيش والشرطة العراقية، تقيد حركتهم وتمنعهم من القيام بواجب التصدي، أو تحرمهم من اجهزة الاستمكان والرصد.
ان ارتكاب خطأ جسيم من نوع التطفل في رفع شعارات معاداة اميركا، لن يؤدي سوى لمزيد من الكوارث والمآسي للعراقيين الذين ينبغي ان تنهض ستراتيجيتهم الآن على مبدأ كسب صداقة اميركا والعمل على الحصول منها على كل ما يؤدي إلى الاخذ بيد العراق الموحد في مدارج النهوض من درك التخلف والانحطاط والمجاعة الحقيقية، فالعراق لم يعد الآن مستوطنة عنف وارهاب وحسب، بل هو الآن مستوطنة فقر وجوع وعري.. وهناك الآن من يكافئ كل ذلك بالسلطة. برغم ان تاريخاً مليئاً بالشواهد يؤكد حقيقة ان هناك دولاً كنا نتهمها بشتى الاتهامات، بل يصل الامر إلى درجة احتقارها وعدم التفكير باحترام خطابها ومسوغات تقبلها فكرة مصادقة اميركا. فاضحت الآن دولاً صناعية كبرى بعد ان ودعت دون رجعة أو عودة الفقر والتخلف والجهل والبطالة، وصارت من الدول المصدرة للانتاج المتطور وصارت تبحث عن فرص عمل في غيرها. والفرق بين وواضح ما بين شعوب عاشت تفاصيل قصة الجهد المثمر والتعب المفيد والعلاقات الناجحة مع الآخر، وبين شعوب كل زادها الشعارات وكل اسلحتها الشتائم وكل حوارها التخوف والتشكيك واشياء اخرى.
ما العمل؟ سؤال علينا ان نتصدى له بشجاعة وعلمية وموضوعية وبنكران ذات، نتصدى بوعي حقيقي وشعور عالٍ بالمسؤولية الوطنية وبنظرة ثاقبة ومنطق عقلاني واضح ومحدد. اميركا باقية في وجود مطلق أو محدد، صغير أو كبير، هي باقية، الشعب مفكك، مناطقياً وطائفياً وقومياً وعنصرياً ودينياً، ونكذب على انفسنا مرتين عندما ننكر ذلك، وكذب كهذا يقودنا بالضرورة إلى مواقف مأساوية وكارثية. فاميركا ارسلت برايمر مهندس التفكيك والحل والالغاء والتشتيت والحصحصة واللبننة، لم تكن قد خططت لعقد او عقدين، فقد اوجدت اسلحة كثيرة تنسخ بعضها البعض الآخر، وفي مقدمتها تعميق ظاهرة الطائفية والعنصرية بايجاد مشاعر عدم الثقة. بحيث بات الشيعة لا يثقون بالسنة والسنة لا يثقون بالشيعة والاكراد لا يثقون بالاثنين. ومن هنا تبدأ المشكلة التي تحد من امكانية التصرف مع الاجندة الاميركية على النحو الذي تريده الشعارات والمواقف ذات الاهداف الوطنية الخالصة من كل شائبة. وتلك هي المثالية التي ربما لا يوجد سوى الشيء القليل منها في جمهورية افلاطون، اما في عالم اليوم، عالم تزدحم فيه المصالح وتتزاحم فيه النوايا. فلا مجال لاحلام اليقظة في صالونات وقاعات عرض المسرحيات الكوميدية او اللوحات الاستعراضية.
ما العمل..؟ هذا هو السؤال الاكثر الحاحاً من غيره. ويحتاج إلى اجابة محددة، تريح اطراف العملية، وتحقق للجانب الاميركي فرصة التعامل مع الطرف الآخر بوضوح اكثر وبشفافية اعمق. اذ تصبح عندما يكون الطرف الآخر عملياً وموضوعياً، اكثر قرباً للصراحة، وبالتالي اكثر وضوحاً في تحديد ماذا تريد بالضبط. وعندما يكون من الواضح ماذا تريد اميركا، يصبح من السهل التوصل إلى صيغة التعاطي والتعامل مع ما تريد وتطلب.. وهذا يمنع الطرف الآخر من اللجوء إلى حركات واعمال جانبية والثقافية للوصول إلى الهدف المحدد..
ما العمل..؟ سؤال يحتاج اجابة من نوع، نحن شعب العراق بعربنا وكردنا وتركماننا، بسنيتنا وشيعتنا ومسيحيينا وصابئتنا، بشمالنا وجنوبنا ووسطنا وفراتنا الاوسط، تلك اجزاء وطننا وبكل ذرة من ترابه الغالي، نعمل من اجل تخليص وطننا من التخلف والفقر والمجاعة واستثمار ثرواتنا وارضنا وخبرتنا ما ظهر منا وما خفي، من اجل نهوضنا الحضاري وتقدمنا العلمي من اجل ان لا يبكي طفل من حرمان ولا يتألم شخص من عدم حصوله على فرصة التعليم، ومن شخص يتألم من مرض او أي شيء آخر، نقبل الآن بالمتاع ولا ننسى الطموح ابداً.