اطبع هذه الصفحة

 

 

اصابت امك حين اسمتك نزيهة.. فأنت نزيهة عند اسمك"

المحامي طارق حرب

هي اول وزيرة تولت وزارتين هما وزارة البلديات ووزارة الدولة.. وهي اول وزيرة زارت منطقتنا "الزعفرانية" بعد ايام من استيزارها.. وهي اول وزيرة في الدولة العربية والاسلامية ودول العالم الثالث.. وهي اول انثى في تاريخ الوزارات يتم استيزارها.. وهي اول وزيرة شيوعية فكانت ثالثة ثلاثة.. وهي الوزيرة التي اثبتت المساواة بين الانثى والذكر قانوناً.. وهي نزيهة وحسبها موافقة اسمها لحقيقتها وكفاحها، ان التنزيه والنزاهة صفة ونعت لها.

ومرة اخرى تبكي قلوبنا وتجهش عقولنا وتدمع اعيننا ونعزي انفسنا ونرثي ثقافتنا ونودع لوح من تاريخنا، بفقدان امراة عجزت العراقيات عن ان يلدن مثلها. اتراهن اصبن بالعقم وظهرت عليهن عوامل الجدب.

منا اليها جميل مدح وثناء وجليل حمد واطراء وجزيل شكر ودعاء.. فلن تتكرري ولن نشاهد نزيهة ثانية ولكن الغائبة الحاضرة والمفقودة الموجودة، نعزي ثقافتنا وتاريخنا قبل انفسنا برحيلك. فلقد انرت مصابيح في بلاد الرافدين وأوقدت شمعات في ارض الفراتين. وكيف ارثيك وانا ألكئ اللسان الكليل البيان القاصر الحجة المهزوم البرهان الذي يجتر الالفاظ اجتراراً ويكرر العبرات تكراراً.. فمهما تمكنت من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى ودقة البيان وجمال الكلم وروعة التصوير اقف عاجزاً عن ايراد فضائلك وذكر مناقبك واعطائك الجزء من حقك.. واقول ياويلتي لم اصابني هذا العجز وسرى بيّ هذا النقض وارتابني هذا القصور.

سيدتي الكريمة. هذا بسبب جمال وطنيتك وانسانيتك وجلال عراقيتك وعالميتك وكمال نظرتك الى الانسان كإنسان بصرف النظر عن جنسيته او جنسه او قوميته او لغته او دينه او مذهبه او معتقده.

في يوم قائظ من ايام شهر آب 1958 سرت شائعة في في منطقتنا منطقة الزعفرانية والتي كان والدي مختاراً لها. ان الوزيرة ستتولى زيارة المنطقة. فدهشنا واستغربنا. اذ هل سيتولى وزير زيارة هذه المنطقة الشعبية وهذا الوزير، امراة! ولكن هذا العجب والعجاب والاعاجيب انهار وزال عندما شاهدنا الوزيرة بشحمها ولحمها وكانت في البداية ترتدي النظارات بسبب الغبار الذي سببه الشارع العام في المنطقة. تفقدت المنطقة وسألت الكبير والصغير والرجل والمرأة عن حاجة المنطقة ووعدتنا خيراً في تنفيذ مطالبنا. وفعلاً بعد ايام شاهدنا المكائن التي ابتدأت بتبليط الشارع العام للمنطقة. وقلنا نحن ابناء المنطقة كيف يلتزم الوزير بتنفيذ ما التزم به؟ فهو من العجب؛ إذ اننا لم نشاهد وزيراً او مسؤولاً قبل ذلك. ولكن في قرية الرستمية، وهي جزء من الزعفرانية كان يحضر الينا من يرشح نفسه للانتخابات في العهد الملكي ثم يتوارى عن القرية سواء فاز في الانتخاب ام فشل.

لقد اخطأت وسائل الاعلام في ذكر مناصبها؛ حيث انها تولت وزارة البلديات وبعد فترة تولت وزارة الدولة. اذ صدر المرسوم الجمهوري 480 لسنة 1959 المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) بعددها 198 في 22/7/1959 متضمناً استحداث وزارات جديدة واستيزار وزراء جدد منهم نزيهة الدليمي التي عينت وزيرة للبلديات، الوزارة الجديدة، والسادة ابراهيم كبة وفيصل السامر وعوني يوسف وفي المرسوم الجمهوري 415 المنشور في الجريدة الرسمية 347 في 14/5/1960 نقلت السيدة نزيهة الدليمي من منصب وزيرة البلديات الى منصب وزير الدولة.

وكانت المرحومة ثالثة ثلاثة من الوزراء الشيوعيين والوزيرة الشيوعية الوحيدة في القرن العشرين. اذ تولت الوزارة في نهاية خمسينيات القرن الماضي ولم يصل الحزب الشيوعي الى الوزارة الا بعد 9/4/2003 حيث كان الاستاذ مفيد الجزائري وزيراً للثقافة والدكتور رائد فهمي وزيراً للعلوم والتكنولوجيا على الرغم من التاريخ السياسي الطويل للحزب الشيوعي الذي يبدأ في اوائل القرن العشرين ونضاله الطويل. ولكن والحق احق ان يقال ويتبع، كان الوزيران خير خلف لخير سلف. ولن نتولى المدح والاطراء والحمد والثناء على الخلف لكي لا يكون قولنا مدعاة لقول البعض وانه من الاخوانيات والمجاملات او من المصانعة والنفاق.

واذا كانت دول المنطقة من عربية واسلامية ودول العالم الثالث تغط في سبات التخلف ومعاداة تطلعات المرأة بحيث ان دولة مجاورة للعراق لم تسمح للاناث بالدراسة الابتدائية الا بعد اكثر من عشر سنوات على الظاهرة الوزارية النزيهة. كانت المرأة العراقية تمثل المنصب الوزاري وكانت تتحمل الوزر الحكومي للامانة الوظيفية وكانت اكبر من الوزارة واعظم من المقعد الوزاري. والعجيب والغريب عند مقارنة وضع المرأة العراقية زمن النزيهة وفترات الظلم اللاحقة حيث لم يتم استيزار انثى الا مرة واحدة في سبعينيات القرن الماضي وهي السيدة سعاد خليل ابراهيم، فان الدولة الاسلامية انطلقت في هذا الوجه، فكانت هنالك نائبة لرئيس الجمهورية في ايران وكانت هنالك رئيسة للجمهورية في اندونيسيا في تسعينيات القرن الماضي. اما باكستان وبنغلاديش فكانت المفضلة فيهما ان تكون المرأة رئيسة للوزارء مع حزب سياسي قوي يدعمها. غير اننا في العراق راوحت المرأة في هذا المنصب (الوزارة)، عدا الدكتورة انيسة آوجي التي رشحها الدكتور ابراهيم الجعفري لمنصب نائب رئيس الوزراء، ولكن الامور لم تكتمل بسبب عدم منحها الثقة من الجمعية الوطنية لانتهاء اعمال الجمعية في نهاية 2005 وعدم تحقق جلسة منح الثقة لانشغال اعضاء الجمعية بالدستور والانتخابات الجديدة. ولم تستطع المرأة من التقدم بقائمة مستقلة للانتخابات الاولى في 30/1/2005 والثانية في 15/12/2005 سوى امرأة واحدة في جميع الدوائر الانتخابية وهي السيدة مها حامد الصكبان، واكتفت المرأة بان يكون اسمها الثالث بعد رجلين في القوائم التي قدمتها الكيانات السياسية.

ورافق اشغال الوزارة من النزيهة ان كانت لجنة تتولى اعداد مسودة لقانون الاحوال الشخصية ذلك القانون الذي ساوى عند صدوره بين الانثى والذكر في الارث ولازلنا الى الان نتذكر المقابلة الاذاعية معها، حول القانون ولازلت اتذكر انها استندت في تأييدها لرأي لجنة اعداد القانون فيما يتعلق بالمساواة الى انها سمعت الفريق محمد نجيب الربيعي وكان رئيساً لمجلس السيادة (اشبه بمجلس الرئاسة الحالي) يقول رأياً وهو ان ما ورد في الاية الكريمة كان من باب الوصية والندب والاستحباب وليس من باب الوجوب والامر، وبالتالي يجوز المساواة في الارث معتمداً على قوله سبحانه "يوصيكم الله في اولادكم خيراً للذكر مثل حظ الانثيين" حيث تم صدور القانون في الشهر الاخير من عام 1959 متضمناً هذا الحكم وسواه سرعان ما ألغي بعد انقلاب 8/2/1963 وعلى الرغم من ان النظام السابق اصدر في سنة 1976 قانوناً يتضمن الوصية الواجبة لورثة الابن المتوفي وهو رأي مرجوح لم يأخذ به الا المذهب الظاهري فقط. فانه لم يصدر قانون يتضمن الوصية الواجبة للبنت عند تعدد الورثة بحيث تستحق بالارث حصتها المقررة شرعاً وتستحق بالوصية الثلث من تركة (مال) والدها المتوفي. على الرغم من ان النصوص الشرعية تبيح هذه الوصية على رأي بعض المذاهب وتوجب هذه الوصية على رأي البعض الاخر كالمذهب الامامي الذي اوصل الوصية الى حد الواجب، ولو صدر مثل هذا القانون لكانت حصة الانثى مساوية لحصةالذكر او تزيد على حصة الذكر احياناً فالشخص الذي له ولد وبنت واوصى للبنت ستكون حصتها من مال ابيها اكثر من حصة شقيقها الولد. فلو فرضنا ان قيمة اموال الشخص (90) مليون دينار فسيكون في مثالنا للبنت (30) مليون كوصية و(20) مليون كإرث.

سيدتي النزيهة: كانت العرب ان ارادت ان تمدح شخصاً وتجد في اسمه ما يماثل سجاياه وفضائله واخلاقه تقول (اصابت امك حين اسمتك فلاناً) وهذا دليل على ان العرب السابقة كانت تعطي الزوجة الحق في تسمية وليدها على خلاف ما جرى. وان مخاطبة الشخص وتذكيره بان امه هي التي اسمته وكنته ولقبته تعظيم للمرأة التي حددت الاسم وعينته واختارته واصطفته وتعظيم اخر لحامل هذا الاسم.. فلله در من قال هذا، ولله درك يانزيهة فقد اصابت امك حين اسمتك نزيهة، فانك انت نزيهة عند اسمك. لقد تطفلت في مدحك قبل رثائك على انني اقدمت حيناً واحجمت احياناً.. وصدق الشاعر عندما قال: انما المرء حديثاً بعده/ فكن حديثاً حسناً لمن روى

والقول فيك يطول.. فلنمسك عنان القلم، فانه ذو عسرة وحليف طبعه شدة ما به من كمد وفي هذا القدر كفاية لأولي الافهام.

وسلام عليك يوم ولدت ويوم موتك. فقد اعتنقت السلام وناديت بالسلام وافشيت السلام ورافقت السلام. ولا مقصد ولا هدف بعد ذلك.

المحامي طارق حرب رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية