شهدت السنتان الماضيتان اللتان أعقبتا انعقاد المؤتمر الوطني السادس لحزبنا في أواخر تموز 1997، تطورات كبيرة الأهمية في أوضاع بلادنا الداخلية وفي ما يتعلق بالشأن العراقي عربيا وإقليميا ودوليا، وفي الأوضاع العربية والعالمية بشكل عام.
وامتدت التطورات الى سائر ميادين الحياة الداخلية، وبضمنها الوضع في إقليم كردستان، وفاقمت محنة جماهير الشعب والكارثة التي حلت بالوطن، وعمقت الأزمة الشاملة للنظام الدكتاتوري وزادتها تعقيدا واستعصاءٍ. وشملت التطورات أيضا مواقف وعلاقات النظام الخارجية، والمواقف العربية والدولية منه ومن القضية العراقية، وعكست تخبطه السياسي وعزلته في الخارج أيضا، وضيق هامش المناورة المتاح له في التعامل مع الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.
وسجلت السنة الأخيرة بصورة خاصة، والأشهر المنقضية من العام الجاري بصورة أخص، تسارعا في نبض الأحداث على الصعد جميعا، وتزايدت في سياقها الدلائل والإشارات من الخارج والداخل على حد سواء، الى أن الفترة المقبلة يمكن أن تشهد تطورات غير عادية بالنسبة للنظام الحاكم وبالنسبة لبلادنا ومستقبل تطورها.
1. على الصعيد الداخلي ......
أ. الأزمة الشاملة في البلاد
ب. تفاقم أزمة النظام
2. على الصعيد الخارجي
3.المعارضة العراقية
4. الوضع في كردستان
5. آفاق تطور الوضع ومهماتنا
6. الأوضاع العربية والدولي
الى الاعلى
1. على الصعيد الداخلي
أفضت مسيرة الأحداث في الداخل منذ المؤتمر السادس لحزبنا، الى تغيير ملحوظ في مزاج جماهير الشعب واستعدادها للكفاح ضد النظام الدكتاتوري. وتجلى التغيير ملموسا في تنامي السخط والتململ والتحفز في الأوساط الشعبية ضد سلطات النظام، والتراجع الجزئي للخوف من عسفها وبطشها، وما أسفر عنه ذلك ورافقه في الأشهر القليلة المنصرمة خصوصا من موجة عمليات مقاومة وتصدٍ، ومواجهات وهبات جماهيرية، ظلّت تتواصل وتمتد من محافظة الى محافظة ومن مدينة الى أخرى.
وجاءت هذه التطورات حصيلة لمجمل سياسات النظام ونهجه القمعي المتفاقم، ولعواقب الحصار الاقتصادي الدولي بعد ما يزيد على 8 سنوات من فرضه، ولتأثير الضربات العسكرية الأمريكية – البريطانية التي تعرضت لها البلاد أواخر السنة الماضية، وعوامل أخرى.
أ.الأزمة الشاملة في البلاد
أسفر نهج النظام الدكتاتوري المتعارض مع مصالح الشعب والمقامرة بمصائره، عن سقوط البلاد في أزمة عميقة، سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية. وظلّت هذه الأزمة تتفاقم مع تفاقم الإرهاب وإصرار الحاكمين على سياستهم الاقتصادية المدمرة، ومع فرض الحصار الاقتصادي الدولي واستمراره، حتى تحولت الى أزمة عامة شاملة تطحن الشعب وتستنزف قوى البلاد وطاقاتها.
1. السياسة الاقتصادية للنظام والمعاناة المعيشية للشعب
شهدت الفترة الماضية اشتداد المحنة الحياتية والمعيشية لشعبنا، الناجمة عن بقاء الدكتاتورية متسلطة على البلاد، وعن الخراب الواسع الذي ألحقته حروبها ضد الجيران (إيران، الكويت) وضد أبناء شعبنا بالبنى التحتية للبلاد وبقدراتها الاقتصادية، وعن استمرار الحصار الاقتصادي الظالم، وكذلك عن سياسة النظام الاقتصادية المدمرة، وتقليص ثمار تطبيق القرار 986 عبر مختلف أساليب الغش والتلاعب والنهب من جانب النظام، وأساليب العرقلة والإبطاء من جانب الإدارة الأمريكية وبيروقراطية الأمم المتحدة.
وارتبط تفاقم الضائقة المعيشية لعامة الشعب بما أفضت إليه العوامل المذكورة من ركود اقتصادي مزمن، وشلل في حركة السوق، وتذبذب مستمر وانخفاض في سعر صرف الدينار، وتضخم متصاعد، وبطالة متسعة النطاق. وفاقمت سلطات النظام هذا الواقع المتردي بابتداع شتى الوسائل وأقساها لجباية الأموال من المواطنين الذين يعانون أصلا من بؤس القدرة الشرائية.
ونجم هذا التوجه نحو تعزيز الموارد الداخلية للدولة والذي تكرس بفرض المزيد والمزيد من الضرائب والرسوم والاتاوات، عن حرمان النظام من التحكم بعائدات النفط بعد فرض العقوبات الدولية، والتضاؤل الشديد لعموم موارده المالية:
وعمدت سلطات النظام في هذا السياق الى:
- زيادة حجوم العديد من الضرائب المستحصلة، المباشرة وغير المباشرة، واستحداث المزيد منها. ونتيجة لذلك ازدادت واردات الدولة في عام 1998 بنسبة 196% مقارنة مع عام 1997، وبلغت نسبة الزيادة في بعض المجالات 880%.
- زيادة حجوم العديد من الرسوم على الخدمات العامة والبلدية، وبضمنها الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء والماء وغيرها، وابتكار المزيد منها. واصبح من واجب المواطن، مثلا، تسديد معظم النفقات الدراسية لأبنائه، ونسبة متزايدة من تكاليف صيانة المباني المدرسية ونفقات الهيئات التعليمية والتدريسية.
- فرض مختلف أشكال الاتاوات، والغرامات الكيفية، وإجبار المواطنين على " التبرع ". ومن ذلك جباية الغرامات الكبيرة من المواطنين المتكسبين على الأرصفة ومن سائقي السيارات وغيرهم بدعوى ارتكابهم " مخالفات ".
- زيادة أسعار العديد من السلع التي كانت الدولة توفرها للمواطنين بأسعار مقبولة نسبيا. وقد عمدت في الأشهر الماضية، على سبيل المثال، الى مضاعفة أسعار النفط ومشتقاته (لتر البنزين من 5 الى 15 ديناراً).
والى جانب تشديد الهجوم الضريبي، واصل النظام في ضوء سياسة التقشف التي دعت إليها رسالة صدام حسين الى مجلس وزرائه في كانون الأول 1995، خفض الإنفاق الحكومي وتقليص الخدمات العامة. وكان آخر ما اتخذته حكومته على هذا الصعيد، قرارها في آبار المنصرم تخفيض الإنفاق العام بنسبة إضافية تبلغ 10 في المئة.
وفي أثناء ذلك، استمر تطبيق سياسة الخصخصة التي تتجلى في بيع ممتلكات قطاع الدولة في سائر ميادين النشاط الإنتاجي والخدمي الى القطاع الخاص، والتي يشكل ما يسمى " التمويل الذاتي " للمؤسسات الحكومية شكلا أوليا من أشكالها. وتهدف الخصخصة، بجانب تحقيق موارد ووفورات مالية لخزينة الدولة، الى ترميم القاعدة الاجتماعية للنظام. فمن المعروف أن المنشات والتجهيزات والمعدات تباع الى أعوان السلطة وأزلامها قبل غيرهم، وبأسعار منخفضة تقل أحيانا بنسبة 30% عن قيمتها الحقيقية.
كذلك استمر دعم القطاع الخاص وتحرير التجارة من التقييدات الحكومية، فجرى تنشيط سوق بغداد للأوراق المالية، وتأسيس المزيد من البنوك الأهلية، ومنح القطاع الخاص إعفاءات ضريبية، والمباشرة بإنشاء مناطق حرّة، وغير ذلك.
واقترن ذلك كله ببقاء أسعار السلع الضرورية والكثير من المواد الغذائية مرتفعة بسبب عدم تحسن قيمة الدينار، بل وتدهور سعر صرفه حتى تجاوز في الربيع الماضي ولأول مرة منذ عام 1997 حاجز الألفي دينار مقابل الدولار الواحد، وبسبب تغييب الرقابة على الأسعار، وارتفاع هوامش ربح الوسطاء الطفيليين، وغير ذلك. كما نجم ارتفاع الأسعار عن العديد من الإجراءات الاقتصادية سابقة الذكر، والتدابير الأخرى ومنها السماح بتصدير المواد الغذائية والمواد الأولية الضرورية للصناعات المحلية. ومن المتوقع أن تتأثر الأسعار سلبا وكذلك بحالة الجفاف في السنة الحالية التي أدت الى انتكاسة حادة في الإنتاج الزراعي، وانخفاض حجم المحاصيل الرئيسية بحوالي 50% مقارنة بالسنة الماضية.
هذا في حين بقيت رواتب وأجور العاملين لدى الدولة على حالها عمليا، وعجزت " الزيادات " التزويقية في مخصصات بعض فئات العاملين، والتي يجري الإعلان عنها في أحيان متباعدة، عن وقف الانخفاض المتواصل لقيمتها الحقيقية، الناجم عن استمرار التضخم وتصاعد تكاليف المعيشة.
وأدت التوجهات الاقتصادية المشار إليها والعديد من التدابير الجديدة المتخذة في هذا المجال، ومنها تعديل قانون الإيجار، الى تعميق الركود الاقتصادي وإغلاق مئات المعامل الصغيرة والورش الإنتاجية وغيرها، في بغداد وحدها. وهو ما أضاف أعدادا كبيرة جديدة من المواطنين القادرين على العمل الى جيش العاطلين الهائل المتسع.
ويرتبط بسياسات النظام عموما وبعواقبها، استشراء الرشوة والفساد في جميع مفاصل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها دون استثناء، وبضمنها مؤسسة القضاء ويسهم هذا بدوره في استنزاف الموارد بالغة الشحة للمواطنين التي تتآكل – بين أسباب أخرى – بفعل إيقاف الدعم الحكومي وإلغاء بعض المزايا والإعفاءات الممنوحة سابقا لفئات مختلفة من السكان.
لقد أسفر هذا التطور بمجمله عن المزيد من تدهور الأحوال المعيشية والمصاعب الحياتية لعامة أبناء الشعب. كما أفضى الى تعميق التفاوت الاجتماعي، والى المزيد من مركزة الثروة بيد مجموعات أضيق من المرتبطين وثيقا بالعائلة الحاكمة ورؤوس النظام الآخرين.
2. استمرار الحصار الاقتصادي والتلاعب بتطبيق القرار 986
شكل فرض العقوبات الاقتصادية من قبل الدول الإمبريالية لا سيما الولايات المتحدة، في العقود الأخيرة، وسيلة لإملاء إرادتها على الدول والمجتمعات الأخرى، بذريعة معاقبة أنظمتها الدكتاتورية. غير أن التجارب أظهرت أن الشعوب لا الأنظمة هي الضحية الأولى والمباشرة لهذا النوع من العقاب الجماعي المُدان.
وذلك ما أكدته أيضا حصيلة تسع سنوات من الحصار الاقتصادي المفروض على العراق، والذي دفع شعبنا ويدفع ثمنه باهضا في معاناته الإنسانية المتعاظمة، وفي الأضرار الهائلة التي لحقت بالقاعدة الاقتصادية للبلاد، وفي إهدار وتعطيل عموم قواها وقدراتها، لا سيما البشرية، وفي ما خلفت من آثار مخربة في النسيج الاجتماعي، وما باتت تشكله من خطر على مستقبل الشعب والوطن.
ولقد كان موقف حزبنا منذ البداية الى جانب رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب، دون قيد أو شرط، وبإشراف الأمم المتحدة. والى جانب تأكيد حزبنا تمسكه بموقفه هذا، فانه رحب بالإجراءات المؤقتة الهادفة الى تخفيف معاناة شعبنا، وبضمنها القرار 986 وتطويره اللاحق في القرار 1153.
غير أن الكثير من الآمال المعقودة على تطبيق القرارين لم يتحقق، نتيجة تلاعب سلطات النظام بالتطبيق من ناحية، والعراقيل والمماطلات التي تعتمدها الولايات المتحدة وبريطانيا لكبح التطبيق، وتلكؤ الأجهزة البيروقراطية للأمم المتحدة، من ناحية ثانية.
وبالإضافة الى عدم حدوث تغير جوهري في الحصة التموينية الشهرية بمفرداتها وكمها ونوعها، والتي لا تكفي لتأمين المعدل الضروري للفرد من السعرات الحرارية والمواد المغذية، فقد عمدت السلطات الى تأخير توزيعها حيناً، وحجب نسبة من بعض موادها حيناً آخر، والغش في نوعيتها واستبدال الجيد من المواد المستوردة وفق القرار 986 بأخرى غير صالحة من خزين النظام الاستراتيجي. كما أنها لم تتورع عن استخدام الحصة سلاحا ضد فئات غير قليلة من أبناء الشعب الذين تعتبرهم غير موالين لها.
ومن ذلك يتبين انه لم يطرأ سوى تحسن محدود نتيجة تطبيق القرار 986، في الحصة التموينية. وفي هذا يتجلى التوافق بين رغبة النظام من جانب، والقرار الأمريكي باستمرار الحصار من جانب آخر. فالنظام يؤيد في الواقع العملي الإبقاء على الحصار الاقتصادي ما لم يرفع عنه بالكامل، كي يبقى يتحكم بالشعب المستنزف بفعل هذا الحصار، ويتاجر بمآسيه وعذاباته.
على صعيد آخر، اتخذت السلطات اعتبارا من أول السنة الجارية، وعلى مرحلتين، زيادة جديدة على سعر الحصة (من 105 الى 250 دينارا) تتيح لها الاستحواذ على اكثر من ملياري دينار إضافيين شهريا من المواطنين. فيما كشف الأمين العام للأمم المتحدة عن عدم توزيع النظام كميات كبيرة من الأدوية والمعدات الطبية، ومن الأجهزة والمعدات الخاصة بتأمين مياه الشرب وبإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي، إضافة الى تجهيزات خاصة بالمدارس، وهو ما تم توريده جميعا في إطار القرار 986.
وفي موازاة ذلك جهدت الولايات المتحدة لعرقلة تنفيذ مراحل تطبيق القرار 986 المختلفة، عن طريق المماطلة في تصديق العقود التجارية، والتعمد في تأخير وصول المواد المتعاقد على توريدها الى العراق، وغير ذلك. ونتيجة لهذا لم تتخط نسبة تنفيذ المراحل الخمس الأولى في تطبيق القرار 50 – 90 في المئة.
لقد أكد حزبنا تكرارا انه حتى لو تم تطبيق القرار 986 بالصورة المثلى، فانه ليس ولا يمكن أن يكون بديلا لرفع الحصار الاقتصادي عن الشعب تماما. وهذا يبقى، الى جانب إدانة وتشديد العقوبات السياسية والدبلوماسية والعسكرية المفروضة على النظام، والعمل على تفعيل القرار 688 الخاص بحقوق الإنسان في العراق، مهمة نضالية أساسية.
وعلى هذا الطريق طالب حزبنا أيضا ويطالب بالغاء تجميد الأرصدة العراقية في الخارج، للإفادة منها – تحت إشراف الأمم المتحدة – في تخفيف معاناة الشعب الغذائية والدوائية، وفي تحريك الدورة الاقتصادية في البلاد. وطالب أيضا بإعادة النظر في النسبة العالية جدا (30 في المئة) من عائدات النفط العراقي المصدر، المخصصة لتعويض المتضررين من الغزو الصدّامي للكويت.
3. تدهور واقع المجتمع وتفاقم مشكلاته
انجلت سياسة النظام وإجراءاته في الميدان الاقتصادي وعموم نهجه الرامي الى إدامة الحكم الدكتاتوري، الى جانب عواقب الحصار الاقتصادي، عن تغيرات سلبية في واقع المجتمع، وتشويهات في بنيته وحياته، وتفكك في النسيج الاجتماعي والعائلي، وتصدع لنظام القيم الاجتماعية والأخلاقية، وانتعاش للروابط التقليدية والولاء القبلي.
والى جانب تآكل ما تبقى من الفئات الوسطى، استمر التدهور في أوضاع الطبقة العاملة، واشتد استقلالها في ظل تعطيل قوانين العمل وتغييب الضوابط والرقابة على أرباب العمل، وبضمنهم المؤسسات والمنشات الحكومية، وتسرب عشرات الآلاف من منتسبيها الى مشاريع هامشية غير منتجة بفعل التوقف الكلي أو الجزئي لآلاف المشاريع الاقتصادية. كما تدهورت أوضاع الكادحين الآخرين وعموم ذوي الدخل المحدود من الموظفين والمستخدمين وغيرهم.
وفي مقابل ذلك تنامت فئة من أعوان النظام الذين تجري رعايتهم وتسمينهم ومنحهم الامتيازات الكبيرة، بهدف إحكام ربط مصائرهم بمصيره.
واحتلت المرأة بشكل خاص موقع الصدارة بين ضحايا هذه التطورات بمجملها، حيث أصبحت هدفا لاضطهاد واستغلال مركبين، وهي تضطر الى إعالة أبنائها، وتلجأ من اجل ذلك في أحيان كثيرة الى ممارسة أعمال شاقة، وماسة بكرامتها كانسان وكامرأة، كما واجهت وتواجه العنف الاجتماعي ومختلف مظاهر الفساد والإفساد.
وتعرض المثقفون الى المزيد من الاضطهاد والقمع والتشريد. وأدى ذلك بجانب الكبت والإفقار المنظمين للثقافة، الى تردي الحياة الثقافية والروحية الى ابعد الحدود وازدياد هجرة المثقفين، كتابا وصحفيين وغيرهم، الى الخارج.
ومن ناحية أخرى، وفضلا عما جرت الإشارة إليه من اتساع نطاق البطالة السافرة والمقنعة وشمولها ملايين الموظفين، أدى الركود الاقتصادي والإفقار المتواصل الى المزيد من انتشار الفاقة والبؤس في صفوف المجتمع.
واقترن ذلك بتدهور شديد في الأوضاع الصحية وأوضاع التعليم، مما أفضى الى انبعاث حتى البعض من الأمراض الخطيرة التي سبق القضاء عليها، والى عودة الأمية التي كان قد أعلن في أواخر السبعينات عن تصفيتها، الى الظهور والانتشار. كما تفاقمت الأضرار التي تلحق بالبيئة، واشتد تلوثها – هواءً وماءً وتربةً، بفعل الإجراءات المستهترة من جانب السلطة، وبضمنها تجفيف الأهوار، ونتيجة لإهمالها السريع ولامبالاتها البالغة إزاء التدهور الشديد في عموم الوضع البيئي في البلاد.
واضطر تفاقم البؤس أعدادا كبيرة جدا من المواطنين الى بيع آخر مقتنايتهم وحاجياتهم الضرورية، وحتى الأطراف والأعضاء الجسدية أحيانا. كما أدى الى اتساع نطاق التسرب من المدارس والمعاهد والجامعات، وانتشار عمالة الأطفال، والتسول، والدعارة، وتنامى الاستغلال متعدد الأشكال للأطفال والأحداث من الجنسين، وسقوط الكثيرين منهم في هاوية الفساد والجنوح والجريمة.
وفي هذه الأجواء أيضا استشرت الجريمة بمختلف أشكالها، وتنامت الجريمة المنظمة خاصة، والتي تحولت الى ظاهرة مقيمة، تجسدها قبل كل شيء سرقة ونهب ممتلكات الدولة ومؤسساتها وثروات الشعب وخيرات البلاد، وتهريب الآثار والمعادن وغيرها الى الخارج، من جانب مافيات العائلة الحاكمة وبطانتها. كما تجلى في ابتزاز الناس ومساومتهم على أمنهم وكرامتهم وأعراضهم وحتى أرواحهم، من طرف كبار المسؤولين والعصابات المرتبطة بهم وبالأجهزة الأمنية. والى جانب ذلك أصبحت ظاهرة الرشوة والفساد الإداري سمة ملازمة لوجود أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومسممة لحياة المجتمع كله.
واستفحلت أزمة السكن بصورة لا سابق لها، وشهد العراق لأول مرة منذ عقود طويلة طرد أعداد متزايدة من العائلات من مساكنها المملوكة للدولة، والتي يجري من ثم بيعها في المزايدات العلنية (للأعوان أيضا وبأثمان بخسة نسبيا) بدعوى تحقيق وفورات لخزينة الدولة !، أو من منازلها المستأجرة التي يرفع مالكو العقارات إيجاراتها في حالات غير قليلة، فتعجز العائلات عن الدفع !
وشهدت أوضاع عموم المواطنين الصحية والنفسية والحياتية مزيدا من التدهور في السنتين الماضيتين بفعل اشتداد أزمة الكهرباء والماء، لاسيما في موسم الصيف، وهو ما يتحمل الحكم جزءاً أساسيا من مسؤوليته. ويظهر ذلك بوضوح اكبر في الصيف الحالي، ارتباطاً بالشحة الاستثنائية للمياه هذه السنة.
على صعيد آخر، ونتيجة لاستمرار أجواء الإرهاب وتفاقمها والاشتداد المتواصل للضائقة المعيشية والمعاناة الحياتية، استمرت في الفترة الماضية هجرة أبناء الشعب الواسعة الى الخارج، خاصة من جانب منتسبي فئات الأكاديميين والخريجين والفنيين، الأمر الذي زاد من استنزاف قدرات شعبنا الفكرية والعلمية والتكنولوجية، وقدم دليلا إضافيا على قتامة الغد الذي ينتظر بلادنا، في حال بقاء الدكتاتور وزمرته متسلطين عليها.
لقد أمعن الحكام الدكتاتوريين في تجاهل معاناة الجماهير الشعبية، وفاقموا هذه المعاناة بإصرارهم على نهجهم وسياساتهم المعروفة. ووضع ذلك كله البلاد في مستهل طور جديد من الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وأدى الى اشتداد الأزمة الشاملة للنظام نفسه.
الى الاعلى
ب. تفاقم أزمة النظام
لم تكن سياسات النظام في الميادين المختلفة السبب في نشوء واشتداد الأزمة العامة في البلاد فحسب، بل كذلك في تنامي وتفاقم الأزمة متعددة الأوجه للنظام نفسه، والتي تعود بدورها فتعمق أزمة البلاد في كل حين.
وتتجلى أزمة النظام في ازدياد تمركز السلطة بيد مجموعة متضائلة من العائلة الحاكمة، واستمرار تنامي الصراعات بين أطرافها والتناقضات داخل الحكم عموما. كما تتجلى في التآكل المتواصل لقاعدة النظام الاجتماعية، وهو ما يسعى رؤوسه لوقفه من جانب، ولترميم القاعدة ذاتها من جانب آخر. ومن اجل ذلك يمنحون الهبات والمكافئات المالية والامتيازات المتنوعة والتسهيلات الاقتصادية والإدارية الى الفئات التي تتكون منها قاعدتهم، وبضمنها كبار منتسب أجهزتهم ومؤسساتهم الحزبية والأمنية والعسكرية.
وفي هذا السياق يدفع النظام، مثلا، مكافئات ثابتة في 13 مناسبة سنويا الى أعضاء " اتحاد الصداميّين " و " رابطة أصدقاء صدام " الذين يحملون أوسمته ونياشينه، وهي تتراوح في مجموعها بين ربع مليون ونصف المليون دينار.
ويعكس هذا الواقع، بحد ذاته، المدى الذي بلغته العزلة الداخلية للنظام، وتعمق قطيعة الشعب معه، واتساع الرفض الجماهيري لنهجه الاستبدادي الدموي، وهو ما تكمله عزلته الشديدة على الصعيدين العربي – الإقليمي والدولي.
وهناك أيضا التردي المتواصل لأحوال أجهزة النظام، لا سيما الحزبية، التي تفقد أكثر وأكثر القدرة والكفاءة والأهلية، وتتداعى معنويات منتسبيها وبضمنهم المسؤولون فيها، وتعجز حتى جهود رأس النظام شخصيا (الذي انخرط في لقاءات يومية مباشرة مع هؤلاء المسؤولين اعتبار من 9 حزيران 1999) عن وقف هذه العملية أو تعويض ما يتآكل خلالها. وينعكس هذا بوضوح في استمرار انسلاخ أعداد متزايدة من أعضاء الحزب، كما من أبناء القوات المسلحة، وابتعادهم عن النظام وأجهزته – وهي ظاهرة تستحق المزيد من الاهتمام.
لكن تنامي استعداد الجماهير للكفاح وتزايد انخراطها في أعمال المقاومة المباشرة، هو اكثر ما يقلق رؤوس النظام، ويدفعهم الى اتخاذ شتى التدابير المضادة، واعتماد التوجهات الرامية الى تطويق أزمة نظامهم وتصريفها.
-
تصاعد المقاومة الجماهيرية
دفع الإرهاب الدموي المنفلت في الداخل، ونهج المناورة والمغامرة الخطير في اتجاه الخارج، الى جانب الإجراءات التعسفية في الميدان الاقتصادي وما نجم عنها من تزايد المعاناة المعاشية للجماهير، دفع ويدفع المزيد من أبناء الشعب الساخطين الى التعبير عن رفضهم وتحديهم للنظام، والى مد يد العون الى من ينفذون العمليات الكفاحية ضد أزلاه ومواقعه، وحتى المشاركة المباشرة فيها.
وشهدت سنة 1998 تنامي المقاومة الجماهيرية في أهوار وأرياف المحافظات الجنوبية: العمارة والناصرية والبصرة، التي حظيت بنصيب استثنائي من البطش والتنكيل والتقتيل والسبي على يد الحكام. كما شهدت تزايد العمليات الجريئة ضد رموز السلطة وجلاوزتها، وبضمنها محاولة اغتيال عزت الدوري في كربلاء.
غير أن الواقع الجديد هذا لم يبرز بوضوح إلا في الأشهر المنقضية من السنة الجارية، غداة العدوان الأمريكي – البريطاني في كانون الأول الماضي، ثم خصوصا اثر جريمة اغتيال السيد محمد صادق الصدر بعد شهرين من ذلك.
وجاء التفجير الجزئي لخزين السخط الجماهيري العارم، ردا على إجراءات النظام الهستيرية التي ازدادت قساوتها وعنفها اثر الضربات العسكرية، التي تعرضت لها مواقع النظام وبعض مفاصله في عمليات " ثعلب الصحراء "، ثم في غارات الاستنزاف منذ بداية العام، وفي أعقاب ازدياد التدهور في علاقات النظام العربية والدولية، بفعل السلوك العدواني والمتغطرس للزمرة الحاكمة إزاء بعض الدول العربية والمجتمع الدولي في الأسابيع التالية. يضاف الى ذلك اشتداد عزلته الداخلية، الأمر الذي ظهر واضحا تماما في ردود فعل الشارع على جريمة الاغتيال السابقة الذكر.
وأدى هذا كله، من جانب، الى هزّة في معنويات أعوان السلطة وأجهزتها الحكومية والحزبية وتشكيلاتها المسلحة، ومن جانب آخر الى مزيد من تحفيز روح الكفاح لدى أبناء الشعب، خاصة جماهير الشبيبة والطلبة، ورفع استعدادهم لتحدي النظام. وهو ما اتخذ ملامح نوعية جديدة عكستها أحداث مدينة الثورة وغيرها في شباط، والمواجهات في الكوت والعمارة وهبّة البصرة في آذار، والصدامات الدامية التي شهدتها مدينة الثورة مرة أخرى في أواسط نيسان، وضرب مواقع السلطة في الكوت أواخر آبار، والهجوم على المواقع المماثلة والتصدي لعصابات النظام في حزيران وتموز، وفي الكثير من العمليات الأخرى التي جرت خلال ذلك ضد أزلام السلطة في كربلاء والنجف ومدن الفرات الأوسط الأخرى كالديوانية والسماوة والحمزة، والعديد من التحركات المتحدية في مدينة الفلوجة وفي أحياء الشعب والأمين والأعظمين والشعلة والعامل ببغداد.
وتجلى ذلك خصوصا في:
- شمول المقاومة الشعبية أنحاء واسعة من الوطن.
- استمرارها على امتداد اشهر متتالية وحتى الآن.
- وضوح طابعها الوطني العام المعادي للدكتاتورية.
- التصدع في جدار الخوف من وحشية السلطة.
- تحسن مستوى التنسيق والتنظيم في إعداد وتنفيذ الفعاليات الجماهيرية، وهو ما ظهر خصوصا في هبّة البصرة. ولعل هذا بالذات ما أثار اشد مخاوف الزمرة الحاكمة، واستثار ردها الدموي ضد المنتفضين وعائلاتهم، وترويع جماهير البصريين بصورة عامة.
ومما له دلالته في هذا السياق أن نضال الجماهير المتصاعد يجتذب أعدادا متزايدة من العسكريين الناقمين على الحكم والحكام، بل وحتى البعض من منتسبي حزب السلطة الذين يزدادون إدراكا لحقيقة أن نهاية النظام تقترب، من جانب، ولا يرتضون لأنفسهم من جانب آخر، أن يبقوا سياطاً بيد الدكتاتور يجلد بها جماهير الشعب ويسحق إرادتها.
على انه ينبغي القول أن النظام، وهو يفتقد الوسائل القادرة على حمايته من الهجمات المسلحة الخارجية وغارات الاستنزاف المتواصلة، ما زال يتوفر على ترسانة عسكرية، يعول عليها في مواجهة الجماهير وفي قمع أي تحرك شعبي أو مقاومة مسلحة.
ومع هذا فان مسار الأحداث والتطورات لا يصب في مصلحة النظام، الذي تزداد التناقضات داخله، ويعجز عن إيجاد مخرج من المحنة التي تسحق الشعب والوطن. ومن الجلي أن آفاقا ارحب تنفتح لمحاصرته وتشديد الخناق عليه وإسقاطه، خاصة إذا ما وحدت قوى المعارضة الوطنية نشاطها وارتقت به، وعززت علاقاتها مع جماهير الشعب والجيش الناقمة على النظام.
2. محاولات تطويق الأ